الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ١٨٦ - قول أبي حنيفة بجواز رجوع الواقف ومخالفة سائر أهل العلم له
( مسألة )
وفيه روايتان احداهما أنه يحصل بالقول والفعل الدال عليه مثل أن يبني مسجدا ويأذن للناس في الصلاة فيه أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن لهم في الدفن فيها أو سقاية ويشرعها لهم ) ظاهر المذهب ان الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه التي ذكرناها قال احمد في رواية أبي داودوأبي طالب فيمن أدخل بيتا في المسجد واذن فيه : لم يرجع فيه وكذلك إذا اتخذ المقابر واذن للناس والسقاية فليس له الرجوع هذا قول أبي حنيفة ، الرواية الاخرى لا يصح الا
بالقول ذكرها القاضي وهو مذهب الشافعي وأخذه القاضي من قول احمد إذ سأله
الاثرم عن رجل أحاط حائط على أرض ليجعلها مقبرة ونوى بقلبه ثم بدا له العود فقال ان كان جعلها لله فلا يرجع قال شيخنا وهذا لا ينافي الرواية الاولى فانه ان أراد بقوله ان كان جعلها لله أي نوى بتحويطها جعلها لله فهذا تأكيد للرواية الاولى وزيادة عليها إذ منعه من الرجوع بمجرد التحويط مع النية وان أراد بقوله جعلها لله أي اقترنت بفعله قرائن دالة على ارادة ذلك مع اذنه للناس في الدفن فيها فهو الرواية الاولى بعينها وان أراد إذا وقفها بقوله فيدل بمفهومه على أن الوقف لا يحصل بمجرد التحويط والنية وهذا لا ينافي الرواية الاولى لانه في الاولى انضم إلى فعله ، اذنه للناس في الدفن ولم يوجد ههنا فلا تنافي بينهما ولم يعلم مراده من هذه الاحتمالات فانتفت هذه الرواية وصار المذهب رواية واحدة واحتجوا بان هذا تحبيس على وجه القربة فوجب أن لا يصح بدون اللفظ كالوقف على الفقراء