سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٣٨ - الفصل العاشر بدر الكبرى
و ان كذبوكم تركتموهم، ثم اقبل على الغلمان و قال اين قريش: فقالوا خلف هذا الكثيب الذي ترى. قال كم هم قالوا كثير: و لا ندري عددهم، فقال: كم ينحرون: قالوا يوما عشرة و يوما تسعة، فقال القوم ما بين ألف و تسعمائة، ثم قال لهم كم خرج من اهل مكة؟ قالوا لم يبق احد به طعم الا خرج، فأقبل رسول اللّه على الناس فقال هذه مكة قد ألقت إليكم افلاذ كبدها، ثم سأل الأسرى، هل رجع منهم احد، قالوا: نعم رجع ابن ابي شريق ببني زهرة، و رجع بنو عدي بن كعب، فتركهم النبي (ص).
و التفت الى اصحابه و قال اشيروا علي في المنزل، فقال الحباب بن المنذر: يا رسول اللّه أ رأيت منزلك هذا أ هو منزل انزلكه اللّه، فليس لنا ان نتقدم او نتأخر عنه، أم هو الحرب و الرأي و المكيدة، قال بل هو الرأي و الحرب، فقال ان هذا ليس بمنزل انطلق بنا الى أدنى مياه القوم فاني عالم بها و ان بها قليبا قد عرفت عذوبة مائه و ماؤه كثير لا ينزح نبني عليها حوضا و نقذف فيه بالآنية فنشرب و نقاتل و لا يشربون، فقال رسول اللّه (ص) لقد أشرت بالرأي.
و روى عبد اللّه بن عباس ان جبريل نزل على النبي و قال له الرأي ما أشار به الحباب، ثم نهض المسلمون و احتلوا المكان و فعلوا ما أشار به الحباب بن المنذر، و أصبح الماء في قبضتهم، و قضوا ليلا يسوده الهدوء و الاطمئنان واثقين بأن دعاة الحق سينتصرون بإذن اللّه، و ان الهزيمة ستكون لأعدائه.
و ارسل رسول اللّه من يستطلع له اخبار المشركين و كان رسولاه عمار بن ياسر و عبد اللّه بن مسعود، فطافا بالقوم من حيث لا يشعرون و رجعا إليه، فقالا يا رسول اللّه: ان القوم مذعورون فزعون، و ان الفرس ليريد ان يصهل فيضرب صاحبه وجهه و السماء تسح عليهم بالمطر.