سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٠٥ - الفصل الثالث في غار حراء
رسل اللّه موسى و عيسى (ع) فيجد اهل الأهواء قد عبثوا فيه فغيروا و بدلوا و حملة تلك الآثار قد سخروها لصالحهم و جهلة المسيحيين و اليهود لم تتسع عقولهم لمعاني النبوات و حقائق الرسالات فتاهوا و ضلوا سواء السبيل و أصبح ما جاء به أولئك الهداة كالجوهر الممزوج بالتراب في منجم مظلم لا يهتدي إليه احد من الناس و لو بذل كل جهوده و امكانياته و حتى لو كان عند أولئك الاتباع شيء من الحق ففي أيديهم الى جانب هذا الحق صور مذهلة من الأوهام و الأباطيل و ألوان من الوثنية لا يمكن ان تتفق و تسير مع الحق المجرد الذي لا يعرف كل هذه المضاربات و التناقضات و الأوهام مما يمعن فيه هؤلاء و أولئك من أهل الكتاب.
هذا الحق الذي تجلى لديه كما تجلى لاخوانه الأنبياء من قبله غريب عما يؤمن به قومه و غيرهم من اهل الكتاب الذين اتخذوا عيسى و أمه إلهين من دون اللّه، كما اتخذ اليهود من قبلهم عزيرا و عبدوه من دون اللّه.
لقد تكشف له حراء عن نور يسطع من قلبه بالإلهام و الهداية بين يدي وحي مبارك يناديه بصوت لا ينفذ لغير قلبه اقرأ يا محمد، فيصغي إليه بدهشة و حيرة، ثم يجيب مستفسرا ما أنا بقارئ، و يتكرر الطلب و الرد بينهما و بالتالي يقرأ عليه الأمين جبرائيل و يقرأ معه.
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.
و حدث ابن اسحاق عن عبد الملك بن عبيد اللّه بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي و كان واعية عن أهل العلم على حد تعبير ابن اسحاق انه قال: ان رسول اللّه حين أراده اللّه بكرامته و ابتدأه بالنبوة كان اذا خرج لحاجته أبعد حتى تغيب عنه البيوت و يفضي الى شعاب مكة و بطون أوديتها فلا يمر بحجر و لا شجر الا سمع هاتفا يقول: السلام عليك يا رسول اللّه فيلتفت خلفه و عن يمينه و شماله فلا يرى شيئا، فمكث على ذلك يرى و يسمع ما شاء