الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٤٥
الإرشاد والدعوة مقدّماً على الجهاد.
وأمّا من ليس له شبهة، أو كانت شبهته غير سائغة عنده- كأهل الجمل وصفّين- فالظاهر من إطلاق كلامهم: (يجب إرشاد الباغي) لزوم إرشاده أيضاً، فكأنّه لا لإزالة الشبهة عنه، بل لأنّ الغرض من جهاد البغاة كفّهم ودفع شرّهم، وهذا الغرض يقتضي أن لا يصار إلى القتال إلّا بعد انتفاء سائر الطرق الممكنة لدفع شرّهم والتي منها: النصيحة والإرشاد، خصوصاً بناءً على القول بإسلام الباغي [١].
يضاف إلى ذلك أنّ المستفاد من آية البغي تقدّم الأمر بالإصلاح على الأمر بالقتال، حيث إنّ الظاهر منها وإن كان فرض ثلاث طوائف، تكون الطائفة المصلحة غير الطائفتين المتخاصمتين، إلّا أنّ المتفاهم منها وجوب ذلك على نفس الطائفة المحقّة العادلة أيضاً، خصوصاً إذا لم تكن هناك طائفة ثالثة مصلحة، فلا يجوز لهما أو للعادلة قتال الباغية إلّا بعد عدم إمكان التصالح معها ودفع شرّها بغير قتال، كما هي سيرة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فيهم.
قال الشيخ الطوسي: «فكلّ موضع حكم بأنّهم بغاة لم يحلّ قتالهم حتى يبعث الإمام من يناظرهم ويذكر لهم ما ينقمون منه، فإن كان حقّاً بذله لهم، وإن كان لهم شبهة حلّها، فإذا عرّفهم ذلك فإن رجعوا فذاك، وإن لم يرجعوا إليه قاتلهم؛ لأنّ اللَّه تعالى أمر بالصلح قبل الأمر بالقتال، فقال:
فأصلحوا بينهم، فإن بغت فقاتلوا، ثبت أنّهم لا يقاتلون قبل ذلك» [٢].
وقال العلّامة الحلّي: «كلّ من خرج على إمام عادل ثبتت إمامته بالنصّ عندنا... وجب قتاله إجماعاً، وإنّما يجب قتاله بعد البعث إليه والسؤال عن سبب خروجه، وإيضاح ما عرض له من الشبهة وحلّها له، وكشف الصواب، إلّاأن يخاف كلبهم [٣] ولا يمكنه ذلك في حقّهم، أمّا إذا أمكنه تعريفهم، وجب عليه أن يعرّفهم، فإذا عرّفهم، فإن رجعوا فلا بحث، وإن لم يرجعوا قاتلهم؛ لأنّ اللَّه تعالى أمر بالصلح، فقال: «فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما» [٤] قبل الأمر بالقتال؛ ولأنّ الغرض كفّهم ودفع شرّهم، فإذا أمكن بمجرّد القول لم يعدل إلى القتل...» [٥].
(انظر: بغي)
٣- إعذار المؤلي:
عرّف الفقهاء الإيلاء بأنّه الحلف على ترك وطء الزوجة مدّة لا تزيد عن أربعة أشهر [٦] فتصير المؤلي ذا عذر في هذه المدّة؛ لأنّها حقّ للزوج فليس لها قول ولا حق في مدّة أربعة أشهر ولا إثم عليه [٧]، فلو رفعته إلى القاضي ليفيء أو يطلّق أمهله القاضي إلى انقضاء المدّة كما نصّ عليه الكتاب الشريف [٨]، كما أنّ الأجل في الدين المؤجّل حق للمديون [٩].
[١] انظر: المبسوط ٥: ٣٠٢. جواهر الكلام ٢١: ٣٣٤
[٢] المبسوط ٥: ٣٠٢
[٣] كلبهم: أي شرّهم. الصحاح ١: ٢١٤
[٤] الحجرات: ٩
[٥] التذكرة ٩: ٤١٠- ٤١١
[٦] الخلاف ٤: ٥٠٩، م ١. المهذّب ٢: ٣٠١. اللمعة: ٢٠٣. نهاية المرام ٢: ١٧٦
[٧] جواهر الكلام ٣٣: ٣١١. وانظر: الوسائل ٢٢: ٣٤٢، ب ٢ من الإيلاء، ح ١
[٨] البقرة: ٢٢٦
[٩] المسالك ١٠: ١٤١. مهذّب الأحكام ٢٦: ٢٣٦