الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٤٣
ويدلّ على ذلك قوله تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» [١].
فإنّ فيها دلالة على نفي العقوبة قبل بعث الرسل الذي هو كناية عن بيان التكليف؛ لأنّه يكون به غالباً، والمنساق من الآية الشريفة إناطة الاستحقاق بالبيان وإتمام الحجّة [٢].
فاللَّه سبحانه وتعالى لا يهلك امّة بعذاب إلّا بعد إبلاغ الرسالة إليهم والإنذار، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحقّ للعذاب.
وقوله تعالى: «وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» [٣]، أي إنّما أرسلناك قطعاً لعذرهم، وإلزام الحجّة عليهم. فالعقاب قبل إرسال الرسل وقطع الحجّة غير جائز، بل ذلك مذموم وقبيح؛ إذ للمعاقب اعتراض معقول لا دفع له بأن يقول: «لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ» [٤].
وقوله تعالى في قصّة الهدهد: «لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ» [٥].
ووجه الاستدلال: أنّ فيها دلالة على وجوب قبول عذر الأشخاص، وأن تدرأ العقوبة عنهم قبل الإعذار؛ لأنّ سليمان لم يُعاقب الهدهد حين اعتذر إليه.
وأمّا الروايات ففي رواية زكريّا بن يحيى عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «ما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» [٦].
٢- الإعذار في الجهاد:
أ- مع الكفّار:
لا تجوز محاربة الكفّار الحربيّين قبل بلوغ الدعوة إلى محاسن الإسلام إليهم، وهي الشهادتان وما يتبعهما من اصول الدين وامتناعهم عن ذلك، وهو أمر أجمع عليه المسلمون [٧].
[١] الإسراء: ١٥
[٢] فرائد الاصول (تراث الشيخ الأعظم) ٢: ٢٢- ٢٣. نهاية الأفكار ٢: ٢٠٥. تنقيح الاصول (آقا ضياء): ٤٩
[٣] القصص: ٤٧
[٤] طه: ١٣٤
[٥] النمل: ٢١
[٦] الوسائل ٢٧: ١٦٤، ب ١٢ من صفات القاضي، ح ٣٣
[٧] المبسوط ١: ٥٤٨. جواهر الكلام ٢١: ٥١