بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٦٣ - الروايات الدالة على جواز الذبح في أيام التشريق
عنه في هذا الشرح من أن المناط في الجمع العرفي هو أن يفرض الدليلان المنفصلان متصلين ومجتمعين في كلام واحد، فإن كانا في نظر العرف بمثابة القرينة وذيها كان أحدهما مانعاً عن انعقاد الظهور في الآخر وشارحاً للمراد منه، كما في مثل قولنا: (زكِّ مالك) وقولنا: (لا بأس بترك زكاة مالك)، وقولنا: (اغتسل للجمعة) وقولنا: (لا بأس بترك غسل الجمعة) فحينئذ لم يكن ثمة معارضة، وأما إذا عدّا في نظر العرف متباينين وكان الصدر والذيل متهافتين فلا جرم تستقر المعارضة في البين.
هذا ما ذكره (قدس سره) في ضابط الجمع المقبول عرفاً، وبناءً عليه لا بد من الالتزام في المقام باستقرار التعارض بين الطائفتين المذكورتين، إذ لا يمكن الجمع في كلام واحد بين قوله ٧: ((الذبح بمنى ثلاثة أيام، وفي سائر الأمصار يوم واحد)) وقوله ٧: ((الذبح بمنى أربعة أيام، وفي سائر الأمصار ثلاثة أيام)) .
ولكن مرّ في بحث سابق أن ما أفاده (قدس سره) ليس هو المناط في إمكان الجمع العرفي، بل يكفي في إمكانه أن يعدّ العرف أحد الكلامين قرينة على مراد المتكلم من الكلام الآخر، وهو منوط بوجود مزية دلالية للأول بأن يكون الثاني ظاهراً في مدلوله مع إمكان صرفه عنه وحمله على معنى غير مستبعد عرفاً، بأن يكون الأول إما نصاً في مدلوله بحيث لا يمكن تأويله أو يكون ظاهراً فيه ولكن بنحو غير قابل للتأويل عرفاً، ففي مثل ذلك يجعل العرف الأول قرينة على التصرف في الثاني ولا يتحير في استكشاف مراد المتكلم منهما، بخلاف ما إذا كان كل منهما نصاً في مدلوله أو بمثابة النص فيه.
وفي المقام لما كان الخبر الدال على أن أيام النحر بمنى أربعة كالنص في جواز الذبح في ثالث أيام التشريق، والخبر الدال على أنها ثلاثة ظاهراً في عدم جواز الذبح فيه، يرى العرف أن الأول يصلح قرينة على كون التحديد بثلاثة أيام في الثاني من جهة أفضلية الذبح فيها لا عدم مشروعية الذبح في اليوم الرابع.