بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٢٥ - هل هناك ما يقتضي لزوم الذبح بمكة المكرمة أو في الحرم مع العجز عن الذبح بمنى؟
غير حاصل هنا.
والوجه فيه: أن السنة النبوية تشارك القرآن الكريم في كونها قطعية الصدور والجهة معاً، أي أنها لم تصدر إلا لبيان حكم الله الواقعي، وهذه الميزة الثانية مفقودة في الخبر الذي يكون محكياً عن الأئمة : وإن قطعنا بصدوره، إلا إذا تم التأكد بقرينة خارجية من عدم صدوره بداعي التقية أو نحوها، ولا على قرينة على ذلك في الروايات المذكورة، ولا سيما مع مطابقتها مع ما هو المشهور عند الجمهور، حيث إنهم بين من قال بأن أيام الذبح ثلاثة ومن قال إنها أربعة [١] .
والنتيجة: أنه لا محل للخدش في الترجيح بموافقة الكتاب في المقام من الجهة المذكورة لو فرض تماميته في حدّ ذاته. ولو بني على عدم تماميته لهذه الجهة أو غيرها فقد يقال: إنه تصل النوبة إلى الترجيح بمخالفة العامة ولا وجه للبناء على التساقط، فإن الظاهر أن معتبرة أبي بصير الدالة على عدم جواز الذبح بعد أيام التشريق حتى لمن كان له عذر عن الذبح فيها، ولم يأت بالصيام بعدُ مخالفة لما هو المشهور بين الجمهور [٢] من البناء على الاجتزاء بالهدي عندئذٍ، وعلى ذلك فهي مرجحة على صحيحة حريز ومعتبرة النضر بمخالفة العامة، فليتأمل.
والمتحصل من جميع ما تقدم: أنه لو بني على عدم الإطلاق لدليل شرطية الذبح بمنى ليشمل صورة العجز عن ذلك ـ كما عليه السيد الأستاذ (قدس سره) ـ فلا سبيل إلى الأخذ بإطلاق دليل وجوب الهدي لو سُلّم انعقاد الإطلاق له من حيث مكان الذبح كما صنعه السيد الأستاذ (قدس سره)، لأن هناك ثلاثة وجوه يمكن أن تذكر في لزوم رفع اليد عن الإطلاق المذكور بحيث يتعين الذبح في بقية الحرم [٣] على تقدير تعذر الذبح بمنى، والتام منها على المختار هو الوجه الأول،
[١] لاحظ المدونة الكبرى ج:٢ ص:٧٣، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ج:٥ ص:٦٥، والمغني ج:١١ ص:١١٤.
[٢] المغني ج:٣ ص:٥٠٩. كشف القناع عن متن الإقناع ج:٢ ص:٥٢٨. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل ج:٣ ص:٥١٦.
[٣] لا يخفى أن أقصى ما تقتضيه الوجوه الثلاثة لو تمت في حدّ ذاتها هو عدم الاجتزاء بالذبح في خارج الحرم، وأما تعيّن الذبح بمكة أو في أطراف منى فلا يكاد يستفاد منها، والمرجع مع الشك هو إطلاق دليل وجوب الهدي.
ولم يظهر الوجه في ما صنعه بعض الأعلام (طاب ثراه) (صراط النجاة ج:٢ ص:٢٣٢) من الاحتياط اللزومي بالذبح في المكان الأقرب فالأقرب إلى منى، بل لعل الذبح في مكة المكرمة أحوط منه كما بنى عليه بعضهم استناداً إلى ما دل على الاجتزاء بالذبح فيها لمن نسي أن يذبح حتى زار البيت، وكذلك ما دل على أن من وجد الثمن ولم يجد الهدي يودع الثمن عند من يذبحه عنه بمكة، حيث يدل على أن مكة مذبح لهدي الحج في الجملة، فليتأمل.