بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٠١ - هل أدلة وجوب الهدي في حج التمتع تقتضي بإطلاقها جواز الذبح في خارج منى؟
اللهم إلا أن يبنى على أن أصل وجوب الهدي في حج التمتع من الله تعالى، وأما الخصوصيات المذكورة فهي من النبي ٦ من جهة ما كان له من الولاية التشريعية. ولكن هذا خلاف الظاهر ويحتاج إلى القرينة [١] .
فإنه يقال في الجواب عنه: إن قيام القرينة المنفصلة على اعتبار عدة خصوصيات في متعلق الحكم ـ مثلاً ـ لا يكشف عن أن المتكلم لم يكن في مقام البيان بالمرة، بل من جهة تلك الخصوصيات فقط، فيبنى على أنه كان في مقام البيان من جهة سائر الخصوصيات المحتملة.
وبعبارة أخرى: إن كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده أمر انحلالي وليس أمراً وحدانياً، وإلا لاقتضى أنه مع قيام القرينة المنفصلة على اعتبار خصوصية ولو كانت واحدة يسقط الإطلاق عن الحجية ولا يمكن التمسك به في نفي سائر الخصوصيات المحتملة، لانكشاف عدم كون المتكلم في مقام البيان، وهذا على خلاف البناء العقلائي، فلا محيص من الالتزام بأن انعقاد الإطلاق للكلام بلحاظ كل خصوصية من الخصوصيات منوط بكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده بلحاظ تلك الخصوصية، فإن قامت القرينة المنفصلة على اعتبار خصوصية أو أزيد فإنما يكشف ذلك عن عدم كونه في مقام البيان بلحاظ تلك الخصوصية أو الخصوصيات، فيبقى المجال للتمسك بالإطلاق بلحاظ سائر الخصوصيات المحتملة.
والحاصل: أن الخدش في إطلاق الآية الكريمة من جهة عدم كونها في مقام البيان بل أصل ثبوت الهدي في حج التمتع مما لا يمكن المساعدة عليه [٢] .
[١] والوجه فيه: أن ظاهر الآية الكريمة: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ هو أن كل ما كان ينطق به النبي ٦ سواء في ما كان يتلوه من القرآن أو في ما يأمر به أو ينهى عنه إنما كان وحياً من الله تعالى، نعم ثبت أن الله عز وجل منحه حق تشريع الأحكام حتى الدائمية منها وفق ما علمه من المصالح والمفاسد ـ وهي ما قد يعبر عنها بالسنن ـ ولكن لا يحمل الحكم الصادر منه ٦ على كونه من هذا القبيل إلا مع قيام الدليل على ذلك، أخذاً بإطلاق الآية الكريمة في ما لم يحرز تقييدها في مورده.
[٢] قد يناقش في إطلاق الآية المباركة من جهة أخرى، وهي أنها مسبوقة بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، الدال على أن للهدي محلاً معيناً يحل ذبحه فيه وهو منى في يوم النحر كما ورد في مضمرة زرعة فكيف ينعقد لها الإطلاق من حيث المكان الذي ينبغي ذبحه فيه كما هو المدعى؟
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ قد ورد في هدي المحصور، ودلالة بعض النصوص على أن الحكم المذكور فيه يعم سائر أنواع الهدي ومنها هدي التمتع لا يمنع من انعقاد الإطلاق لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ من حيث جواز ذبح الهدي في أي موضع يريده المتمتع، أقصى الأمر أن يُرفع اليد عن إطلاقه بقرينة النص المشار إليه، فليتأمل.