دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٢٤ - أبحاثُ الأمارات
السيرة
الأمر الأوّل : هل أنّ الحجيّة من ذاتيات الأمارة والظنّ كما كان الحال في القطع ؟
لا شكّ أنك تعلم بأصالة عدم حجيّة الأمارات والظنون ، فإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً ، ولكن هذا لا يمنع من إمكان إعطاء بعض الأماراتِ الحجيّةَ ـ كظهور الآيات والروايات وخبر الثقة ـ لبعض أسباب وعلل عقلائية غالبة على مفسدة اتّباع الظنّ . المهمّ هو أنه لا مانع عقلاً من إعطاء بعض الأمارات الحجيّةَ لبعض فوائد ، اللهُ أعلم بها ، كالتسهيل على الناس وأغلبـية موافقة بعض الأمارات للواقع .
المهمّ هو أنّ الأصل عند الشكّ في حجيّة مشكوك الحجيّة هو عدم الحجيّة .
* واعلم أنه قد حصل كلامٌ بين العلماء في أنّ أصالة عدم الحجيّة ـ التي قلنا بها في عنوان هذا الأمر الأوّل ـ هل هي مترتّبةٌ على عدم العلم بالحجيّة ـ كما يقول الشيخ الأعظم الأنصاري في فرائد اُصوله والأخوند الخراساني في كفايته والمحقّق النائيني رحمهم الله تعالى وهو الصحيح ـ أم على عدم ورود التعبّد بها واقعاً ـ كما كان يقول الأخوند الخراساني في حاشيته على فرائد الاُصول قبل أن ينسحب ويقول بما قاله في الكفاية ـ فنضطرّ ح إلى استصحاب عدم الورود كي نُـثْبِتَ (عدمَ جعل الحجية له واقعاً) .
أقول : لا فائدة من هذا البحث بعد وضوح جريان أصالة عدم التـنجّزِ بحكم العقل ، والأثرُ العقلي لهذا الإستصحاب العدَمي العقلي هو حرمةُ العمل بالأمارة المشكوكة الحجيّة وعدمُ حجيّتها . بتعبـيرٍ آخر : يكفينا عدمُ العلم بالحجيّة وعدمُ ثبوتها كي نقول بعدم الحجية عقلاً بلا حاجة إلى الإستصحاب العقلي المذكور ، فنحن نقول بأصالة قبح العقاب بلا بـيان ، وما نحن فيه فرع من ذاك ، ولذلك قال العلماء بأنه يمكن عقلاً أن نقول بأنّ الأثر الشرعي يترتّب على عدم العلم بحجية الأمارة .
هذا الحكم العقلي أقرّه الشرع المقدّس وأمضاه ، تلاحظ ذلك من الآيات والروايات ، من قبـيل قوله[قُل لاَّ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ..][٣٦٤] وقوله عزّ وجلّ[ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يـبين لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ..][٣٦٥] وقوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً][٣٦٦] وقولِه تبارك وتعالى[وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
[٣٦٤] الأنعام ـ ١٤٥ .
[٣٦٥] التوبة ـ ١١٥ .
[٣٦٦] الإسراء ـ ١٥ .