دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤١٩ - * وأمّا في النقطة الثانية ـ وهي في الردّ على الأخباريـين ـ فالكلام فيها يقع في جهتين
الأنبـياء (علیهم السلام) حيث لم يأت على وفق عقولهم ، حتى نُقِلَ أن عيسى (على نبـينا وآله وعليه الصلاة والسلام) لما دعا إفلاطون[٣٦٢] إلى التصديق بما جاء به أجاب بأن عيسى رسولٌ إلى ضعفة العقول ، وأما أنا وأمثالي فلسنا نحتاج في المعرفة إلى إرسال الأنبـياء . والحاصل أنهم ما اعتمدوا في شيء من أمورهم إلا على العقل ، فتابعهم بعض أصحابنا وإن لم يعترفوا بالمتابعة ، فقالوا : إنه إذا تعارض الدليل العقلي والنقلي طرحنا النقلي أو تأوَّلناه بما يرجع إلى العقل ، ومِن هنا تراهم في مسائل الأصول يذهبون إلى أشياء كثيرةٍ قد قامت الدلائل النقلية على خلافها لوجود ما تخيلوا أنه دليل عقلي ، كقولهم بنفي الإحباط في العمل تعويلاً على ما ذكروه في محله من مقدمات لا تـفيد ظناً فضلاً عن العلم ، مع وجود الدلائل من الكتاب والسُّـنّة على أن الإحباط الذي هو الموازنة بين الأعمال وإسقاط المتقابلَين وإبقاءُ الرجحان حق لا شك فيه ولا ريب يعتريه ، ومثلِ قولهم : إن النبيّ (ص) لم يحصل له الإسهاء من الله تعالى في صلاة قط ، تعويلاً على ما قالوه من أنه لو جاز السهوُ عليه في الصلاة لجاز عليه في الأحكام ، مع وجود الدلائل الكثيرة من الأحاديث الصحاح والحسان والموثقات والضعفاء والمجاهيل على حصول مثلِ هذا الإسهاء ، وعُلِّل في تلك الروايات بأنه رحمةٌ للأمة ، لئلا يُعَيِّرُ الناسُ بعضُهم بعضاً بالسهو .
وأما مسائل الفروع فمَدارُهم على طرح الدلائل النقلية والقولِ بما أدت إليه الإستحساناتُ العقلية ، وإذا عملوا بالدلائل النقلية يذكرون أولاً الدلائل العقلية ثم يجعلون دليلَ النقل مؤيِّداً لها وعاضداً إياها ، فيكون المدار والأصل إنما هو العقل ، وهذا منظور فيه ، لأنّا نسألهم عن معنى الدليل العقلي الذي جعلوه أصلاً في الأصولََين والفروع ، فنقول : إن أردتم ما كان مقبولاً عند عامة العقول ، فلا يثبت ولا يـبقى لكم دليل عقلي ، وذلك كما تحققت أن العقول مختلفة في مراتب الإدراك وليس لها حد تقف عنده ، فمِن ثَمّ ترى كلاًّ من اللاحقين يتكلم على دلائل السابقين وينقضه ويأتي بدلائل أخرى على ما ذهب إليه ، ولذلك لا ترى دليلاً واحداً مقبولاً عند عامة العقلاء والأفاضل وإن كان المطلوب متحداً ، فإنّ جماعة من المحققين قد اعترفوا بأنه لم يتم دليل من الدلائل على إثبات الواجب ، وذلك أن الدلائل التي ذكروها مبنيَّةٌ على إبطال التسلسل ولم يتم برهانٌ على بطلانه ، فإذا لم يتم دليل على هذا المطلب الجليل الذي توجهت إلى الإستدلال عليه كافة الخلائق ، فكيف يتم على غيره ما توجهت إليه آحاد المحققين ؟! وإن كان المراد به ما كان مقبولاً بزعم المستدِلّ به واعتقاده ، فلا يجوز لنا تكفيرُ الحكماء والزنادقة ولا تـفسيقُ المعتزلة والأشاعرة ولا الطعنُ على مَن يذهب إلى مذهبٍ يخالف ما نحن
[٣٦٢] كيف يقول هذا الكلام وقد عاش افلاطون ٤٢٧ ق ـ م ـ ٣٤٧ ق ـ م ؟!