دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤١٨ - * وأمّا في النقطة الثانية ـ وهي في الردّ على الأخباريـين ـ فالكلام فيها يقع في جهتين
ولا بدّ أن نقرأ كلمات أحد أعمدتهم المعتدلين وهو المحقق البحراني فإنه يقول في الحدائق الناضرة / المقدمة العاشرة : "في بـيان حجية الدليل العقلي وعدمها : قد اشتهر بين أكثر أصحابنا رضوان الله عليهم الإعتمادُ على الأدلة العقلية في الأصول والفروع وترجيحُها على الأدلة النقلية ، ولذا تراهم في الأصولَين ـ أصول الدين وأصول الفقه ـ متى ما تعارض الدليل العقلي والسمعي قدموا الأول واعتمدوا عليه وتأوّلوا الثاني بما يرجع إليه وإلا طرحوه بالكلية ، وفي كتبهم الإستدلالية في الفروع الفقهية أول ما يـبدؤون في الإستدلال بالدليل العقلي ثم ينقلون الدليل السمعي مؤيّداً له ، ومن ثَم قَدَّمَ أكثرُهم العمَلَ بالبراءةِ الأصلية[٣٦٠] والإستصحابِ[٣٦١] ونحوهما من الأدلة العقلية على الأخبار الضعيفة ـ باصطلاحهم ـ بل الموثقة .
قال المحقق رضوان الله عليه في بعض مصنفاته ـ في مسألة جواز إزالة الخبث بالمائع وعدمه ، حيث إن السيد المرتضى رضي الله عنه اختار الطهارة من الخبث به ونسب ذلك إلى مذهبنا مؤذناً بدعوى الإجماع عليه ـ ما صورته : "أما علم الهدى فإنه ذكر في الخلاف أنه إنما أضاف ذلك إلى المذهب لأنّ مِن أصْلِنا العملَ بدليل العقل ما لم يَثْبُتِ النقلُ ، وليس في الأدلة النقلية ما يمنع من استعمال المائعات في الإزالة ولا ما يوجبها ، ونحن نعلم أنه لا فرق بين الماء والخل في الإزالة بل ربما كان غيرُ الماء أبلغَ ، فحَكَمْنا حينـئذ بدليل العقل" ثم قال المحقق بعد كلام في البين : "أما نحن فقد فرَّقـنا بين الماء والخل فلم يَرِدْ علينا ما ذَكَرَهُ علمُ الهدى" .
فانظر إلى موافقته لعلم الهدى فيما نقله عنه من أصالة العمل بدليل العقل في الفروع الشرعية وإنما نازعه في هذا الجزئي وحصولِ الفرق فيه بين الفردين المذكورين .
وبالجملة ، فكلامهم تصريحاً في مواضع وتلويحاً في أخرى متـفق الدلالة على ما نقلنا .
ولم أر من رد ذلك وطعن فيه سوى المحدث المدقق السيد نعمةُ الله الجزائري طيـَّبَ اللهُ مرقدَه في مواضع من مصنَّفاته ، منها كتاب الأنوار النعمانية ، وهو كتاب جليل يَشْهَدُ بسعة دائرته وكثرة اطلاعه على الأخبار وجُودةِ تَبَحُّرِه في العلوم والآثار ، حيث قال فيه ـ ونِعْمَ ما قال ـ فإنه الحق الذي لا تعتريه غياهب الإشكال : "إن أكثر أصحابنا قد تبعوا جماعة من المخالفين من أهل الرأي والقياس ومن أهل الطبـيعة والفلاسفةَ وغيرَهم من الذين اعتمدوا على العقول واستدلالاتها ، وطرحوا ما جاءت به
[٣٦٠] يقصد أصالةَ البراءة العقليّة لا قاعدتها الشرعية .
[٣٦١] نحن لا نقول بها في الشبهات الحكمية .