دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٩٩ - *الكلام في حجيّة قول اللغَويّ
فوراً إلى الحيوان المفترس المعروف ، وليس إلى الرجل الشجاع ، ولذلك تراهم لا يستعملون لفظة (أسد) في الرجل الشجاع إلا مع القرينة .
ولا بأس بذِكْرِ ما أفاده صاحبُ الكفاية قال : "نُسِبَ إلى المشهور حجيةُ قولِ اللغوي في تعيـين الأوضاع ، واستُدِلَّ لهم باتـفاق العلماء بل العقلاء على ذلك ، حيث لا يزالون يستشهدون بقوله في مقام الإحتجاج بلا إنكار من أحد ، ولو مع المخاصمة واللجاج ، وعن بعضٍ دعوى الإجماع على ذلك . وفيه : أن الإتـفاق ـ لو سُلِّمَ ـ فغير مفيد ، مع أن المتيقن منه هو الرجوع إليه مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد والعدالة . والإجماعُ المحصَّلُ غيرُ حاصل ، والمنقول منه غير مقبول ، خصوصاً في مثل المسألة مما يُحتمَلُ قريـباً أن يكون وجه ذهاب الجُلّ لولا الكل ، هو اعتقاد أنه مما اتـفق عليه العقلاء من الرجوع إلى أهل الخبرة من كل صنعة فيما اختص بها . والمتيقَّنُ من ذلك إنما هو فيما إذا كان الرجوع يوجب الوثوقَ والإطمئـنان ، ولا يكاد يحصل من قول اللغوي وثوقٌ بالأوضاع ، بل لا يكون اللغوي من أهل خبرة ذلك ، بل إنما هو من أهل خبرة موارد الإستعمال ، بداهة أنّ هَمَّهُ ضبْطُ مواردِه ، لا تعيـينَ أنّ أيّاً منها كان اللفظ فيه حقيقة أو مجازاً ، وإلا لوضعوا لذلك علامةً ، وليس ذِكْرُه أوّلاً علامةَ كونِ اللفظ حقيقة فيه ، للإنـتقاض بالمشترك . وكونُ موارد الحاجة إلى قول اللغوي أكثرَ من أن يحصى ـ لانسداد باب العلم بتـفاصيل المعاني غالباً ، بحيث يعلم بدخول الفرد المشكوك أو خروجه ، وإن كان المعنى معلوماً في الجملة ـ لا يوجب اعتبارَ قوله .." (إنـتهى) .
وبالتالي ـ وبعد عدم اعتبار قول اللغوي لعدم ثبوت ذلك ـ يجب الرجوع إلى الاُصول العملية في مواضع الشكّ والإجمال في المعنى ، ففي الأمثلة السابقة نـتيمّم بخصوص التراب ـ مثلاً ـ ، ومع الشكّ في حدود الغناء نحرّم القدرَ المتيقّن منه .. وهكذا ..
هذا ولكنْ عدمُ حصول الإطمئـنان بالمعنى من خلال كتب اللغة وكثرةِ الإستعمالات أمْرٌ نادر ، يَعرف ذلك المتـتبّعُ الخبـيرُ ، خاصةً في مِثل كتاب (لسان العرب) وغيره من الموسوعات اللُغَوية المطوّلة ، وغالباً ما ، يَعرِفُ الفقيهُ الخبـيرُ ما كان العرب ـ في زمان ورود النصّ الفلاني ـ يفهمونه وتـتبادر إليه أذهانهم من الكلام ، ولو من قرائن خارجية .. فالرجوعُ إلى الاُصول العملية ـ بالتالي ـ أمْرٌ نادر أيضاً ، على أنـنا لا نريد أن نعرف المعنى الحقيقي من المجازي ، إنما نريد أن نعرف بِمَ كانوا يستعملون اللفظ في أيام المعصومين (ع) ، على أنّ فرض كلامنا إنما هو في اللغوي الثقة ، ونحن نقول بحجيّة قول الثقة في الموضوعات ، بناءً على قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبـيـنُوا أَن تُصِيـبوا قَوْماً