دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٥٢ - الأمارة الخامسة الشهرة الفتوائيّة
فإن قلتَ : كيف لا تكون الشهرة الفتوائية حجّة وهي اَولى من خبر الثقة بالحجيّة ، وذلك لأنّ مناط حجيّة خبر الثقة هو الظنّ بالصدور ، والشهرة الفتوائية قد تورث الظنّ بدرجة اَقوى من خبر الثقة !
قلتُ : ما ذكرتُم إدّعاءٌ في ادّعاء ، فإنه لم يثبت أنّ العلّة في تشريع الحجّيّة لخبر الثقة هي أنه يسبب الظنّ بالصدور ، فقد يكون السبب في إعطائه الحجيّة هو أنه غالباً ما تصيـب مجموعُ الأماراتِ الأحكامَ الواقعية ، حتى ولو لم يحصل من كلّ أمارةٍ أمارةٍ الظنُّ بصدورها ، وقد لا تكون مجموع الشهرات الفتوائية تصيـب الواقع غالباً ، فإذن لم تـثبتِ الاَولويّةُ في الحجيّة .
وإن قلتَ : لقد علّلَتْ آيةُ النبأ عدم حجيّة خبر الفاسق بأنه جهالةٌ وأنه يورث الندامة ، أفلا يمكن القول بأنّ اتّباع الشهرة الفتوائية ليس جهالة عرفاً ولا يورث الندامة ؟
قلتُ : هذا الأمر أيضاً غير واضح ، وذلك لعدم معرفتـنا بأنّ اتّباع الشهرة الفتوائيّة ليست جهالةً بنظر الشارع المقدّس أم أنها جهالة ، ولعدم معرفتـنا بأنها لا تورث الندامة بنظره تعالى ؟ وذلك لأنّ الفتاوى غالباً حدسيّة ، أي تـنشأ غالباً من روايات واُصول عملية يفهمها كلّ فقيه بحسب فهمه الخاصّ ، ولذلك ترى اختلافاتٍ كثيرةً فيها بـينهم ، وليست اُموراً رياضيّة بحتة .
ثم اعلمْ أنه قد اشتبه البعضُ ففرّقوا بين الشهرة الفتوائية والشهرة العملية ! ولم يستطيعوا على التميـيز بـينهما ، إذ أنهما واحد . فلو كان مرادهم من الشهرة العملية هي السيرة العملية عند المتشرّعة وكانت هذه السيرة واضحة عند الفقهاء لأَفتوا ح بها ، ولاشتهرت ح الفتوى بذلك ، فتصير الشهرةُ العملية منشأً للشهرة الفتوائية ، وهذا لا يكون سبـباً لئـن نجعلهما شهرتين منفصلتين .
المهمّ هو أنه قد يقال هي حجّة ، وذلك لاستبعاد أن تشتهر فتوى معيّنة عند فقهائـنا المعروفين بالدقّة والتـتبّع والورع والإجتهاد من دون اعتماد منهم على دليل واضحِ الحجيّة ، إذ أنـنا لا نحتمل فيهم أن يعتمدوا على الظنّ أو القياس ونحو ذلك ، ولذلك قالوا بأنّ الشهرة العملية تجبر ضعف سند الرواية التي استـندوا إليها فتوائياً ، وإعراضُهم عن رواية صحيحةٍ كاشفٌ عن وجود بعض نقاط الضعف التي لم تَظهر لنا نحن المتأخّرين جداً عن زمانهم المتاخم لعصر النصّ . وجواب ذلك واضح ، إذ أنّ الشهرة العملية لا دليل على حجيّتها ، والروايةُ الضعيفة لا دليل على حجيّتها ، كلاهما ظلمات بعضها فوق بعض ، ونحن نشكّك جداً في صحّة إجماعاتهم المدّعاة ، فكيف لنا أن نعمل بما اشتهرت الفتوى عندهم ولم يجمعوا كلّهم عليها ؟! وكيف لهم أن يعرفوا فتوى المشهور مع كلّ ما ذكرناه قبل قليل من عدم إمكان ذلك عملياً ! نعم لو أورثت الشهرةُ الفتوائيةُ الإطمئـنانَ لكانت حجّة ، لكن لا من باب حجيّة