دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٣ - نظرةٌ مخـتصرة إلى الدولة الصفويّة (٩٠٥ هـ ق ـ ١١٤٩ هـ )
وكان لعلماء جبل عامل السهم الأوفر في هذا المضمار ، فقد هاجروا إلى إيران ، وتولوا أمور الدولة ، وسَيَّروا عَجَلَتَها بما يذكر لهم في التاريخ بمداد من نور . وكانت بلدة الشيخ المحقّق الكركي مثلاً تعج بالعلماء ، فقد كان فيها أكثر من ثلاثين عالماً ، درسوا في بلدتهم ، ونالوا درجة عالية في العلم ، وضاقت الكرك عن طموحاتهم ، وصادف ذلك ظهورَ الدولةِ الصفوية فهاجروا إلى إيران .
وفَوَّضَ الشاه الصفوي إليهم تـنظيم شؤون الدولة حسبما يقتضيه الشرع الحنيف ، وشغل علماء جبل عامل في الدولة الصفوية مناصب حساسة مهمة منها : الأمير ، وشيخ الإسلام في أصفهان ، ونائب الإمام ، والمفتي ، ومُرَوِّج المذهب ، وشيخ الإسلام في طهران . وكان الشيخ الكركي على رأس المهاجرين إلى إيران في أول نشوء الدولة ونجاح الشاه إسماعيل في الإستيلاء على مقاليد الحكم ، فوَلاّه الشاه منصبَ شيخ الإسلام في أصفهان .
وانطلاقاً من مبدأ الكلمة والمعرفة أسس المدارس لتخريج الكوادرالمسؤولة عن نشر المذهب الإمامي بين الناس ، وكتب إلى علماء الكرك وجبل عامل وحثهم على النهوض إليه للجهاد في نشر الدين الحنيف ... ولما توافر لديه عدد من رجال الدين المخلصين أخذ يوجه النشاط الديني في إيران كلها ، من خلال مجموعة علماء مؤمنة ومدربة على العمل الإجتماعي والسياسي ، وعيَّنَ في كل بلد وقرية إماماً يُعَلِّمُ الناسَ شرائع الإسلام ، ويؤمهم في الصلاة ، ثم نصب نفسه لتعليم كبار رجال الدولة أمثال الأمير جعفر النيسابوري وزير الشاه ، وقدم له الرسالة الجعفرية ، وأمَدَّهُ الشاه إسماعيلبن حيدر بسبعين ألف دينار شرعي سنوياً ليصرفها على المدارس ، وتخريج العلماء قادة الأمة ، لأنهم أقدر على إقامة العدل وسياسة الناس ، ولما تولى السلطان العادل الشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل (الذي حكم من سنة ٩٣٠ إلى سنة ٩٨٤ هـ ، وتوفّي سنة ٩٩٦ هـ) قَرَّبَ المحقّقَ الكركي ، ومنحه لقب نائب الإمام . وكان علماء الكرك يـبعثون الرسائل من إيران إلى إخوانهم في الكرك وبعلبك وجبل عامل يحثونهم على الإلتحاق بأصفهان للعمل على نشر المذهب الإمامي ، وتـثبـيت دعائمه ، فالمحقق الكركي أرسل إلى الشيخ حسين بن عبد الصمد ـ والد البهائي ـ الذي كان يدرس في المدرسة النورية في بعلبك وأغراه بالسفر إلى أصفهان ، ولعب الكركيون دوراً فعّالاً في تـنظيم الحياة العلمية والثقافية والإقتصادية والعمرانية في إيران إذ فتحوا المدارس ، وصرفوا على الطلاب ، ونظموا الخراج والقضاء ، وضبطوا اتجاه القبلة في أكثرية بلاد العجم ، وهندسوا المساجد والمآذن والقباب ، وحثوا الناس على الإلتزام بالدين ، وألفوا الكتب في الدفاع عن مذهبهم وردوا على