دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٦٠ - * استحقاق الثوابِ على فِعْلِ الواجب أم من باب التـفضّل؟
سفيه ومتجبّر ، فإن لم يأمرهم الباري تعالى ـ وهو الأعلم بمصالحهم ـ فإنهم لن يعملوا إلاّ ما يفيدهم لساعتهم فقط ، وسينسَون مصالحَهم الأخرويّةَ الأبديّة ـ كما نرى ذلك في كلّ العالم ـ فكان من اللائق بشأن الله الرحمن الرحيم ـ وبمقتـضى آلائه ولطفه بعبـيده ـ أن يأمرهم وينهاهم ويخوّفَهم بما فيه مصلحتُهم ، وإلاّ فإنهم سوف يتعدَّون على بعضهم ، ويتسلّطُ بعضُهم على بعض ، ويظلمُ بعضُهم بعضاً ... ولذلك كانت الأوامر والنواهي لمصالح العبـيد ، إذن فلن يستحقّوا عليها الثوابَ والعقاب . قال الشيخ المفيد : "إنّ العبد ليس أجيراً في عمله للمولى ليستحق الثواب عليه ، وإنما جرى ومَشَى على طبق وظيفته ومقتضى عبوديته ورِقِّـيَّـتِه ، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتـفضل عليه بإعطاء الثواب والأجر" [٣٠٥] .
الوجه الـثاني : وهو وجه عميق نرجو قراءتَه إلى آخره لخطورة بَتْرِه فأقول :
لا شكّ أنك تعلم أنّ الله خَلَقَ الأنبـياءَ وأوصياءَهم من سلالات ذهبـية ، بعضَهم مِن بعض ، و (١) هذا يكشف بالقطع عن وجودهم واختبارهم في عالَم الفيوضات الإلهيّة الأوّليّة ، وإلاّ فلا يمكن عقلاً أن يجعلهم اللهَُ تعالى أنبـياءَ وأوصياء ـ دُوْنـنا ـ بغير فضل لهم علينا ، و (٢) في دعاء الندبة مثلاً [ اللّهُمَّ لَكَ الحَمدُ عَلى ماجَرى بِهِ قَضاؤُكَ فِي أَوْلِيائِكَ الَّذينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ ، إِذْ اخْتَرْتَ لَهُمْ جَزِيلَ ما عِنْدَكَ مِنَ النَّعيمِ المُقيمِ الذِي لا زَوالَ لَهُ وَلا اضْمِحْلالَ ، بَعْدَ أَنْ شَرَطْتَ عَلَيْهِمُ الزُّهْدَ فِي دَرَجاتِ هذِهِ الدُّنيا الدَّنـيّة وَزُخْرُفِها وَزِبْرجِها ، فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ وَعَلِمْتَ مِنْهُمُ الوَفاءَ بِهِ فَقَبِلْتَهُمْ وَقَرَّبْتَهُمْ وَقَدَّمْتَ لَهُمُ الذِّكْرَ العَلِيَّ وَالثـناءَ الجَلِيَّ وَأَهْبَطْتَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَتَكَ وَكَرَّمْتَهُم بِوَحْيِكَ وَرَفَدْتَهُمْ بِعِلْمِكَ وَجَعَلْتَهُمُ الذَّرِيعَةَ إِلَيْكَ وَالوَسِيلَةَ إِلى رِضْوانِكَ ... ] فهناك ـ أي في عالم الذرّ ـ شرَطَ عليهم ، وهناك شَرَطوا عليه ... وهناك ـ أي في المراحل الأولى من مراحل الفيض الإلهي ـ طلبَتْ كلُّ خليقةٍ درجةً معيّنةً من الكمال ، ومرتبةً من مراتب الوجود ، واستعدّ بعضُهم أن يتحمل أمانةَ الوَلاية لله ، فأوجبَتْ هي على نفسها هذه الواجباتِ ، وهناك اختبرهم اللهُ ، وهناك عَرَضَ اللهُ أمانـتَه الكبرى عليهم ، فمنهم مَن نجح في الإمتحان ومنهم من رسب ، ومنهم من نجح بدرجة ممتاز ، فكانوا أنبـياءَ ، ومنهم من كان أقلّ من هذا المستوى فكانوا كما يناسبهم ... (٣) قال الله تعالى [ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِوَالأَرْضِوَالْجِبَالِ فَأَبين أَن يَحْمِلْنَهَاوَأَشْفَقْنَ مِنْهَاوَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً
[٣٠٥] راجع أوائل المقالات للشيخ المفيد ص ١١١ (ضمن القول في نَعِيم الجنّة ، أهو تـفضّلٌ أم ثواب ؟ ) طبعة المؤتمر العالمي .