دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣١٤ - التطبـيق العاشر العلم الإجمالي بالتدريجيّات(
المطلوب هل أنه واجب أو مستحبّ ، وذلك الوجوبُ ـ إنْ ثَبَتَ ـ يستلزمُ عدمَ كفاية الإمتـثالِ الإجمالي .
وثالثاً ـ على مستوى الإمتـثال ـ : لا شكّ أنّك تعرف أنّ كلّ الإشكال في صحّة العبادة إنما هو فيما لو كان المكلّفُ متمكّناً من الإمتـثال التـفصيلي في العبادات ـ وذلك لعدم تحقيق قصد الطاعة ـ ، وأمّا مع عدم التمكّن من الإمتـثال التـفصيلي فلا شكّ ولا إشكال في كفاية الإمتـثال الإجمالي .
كما أنّ كلامنا هو بعد الإتـفاق على عدم وجوب قصد الوجه والتميـيز في التوصليّات ، وهي التي يكون المطلوب فيها نفس وجودها في الخارج بأيّ داع كان ، ولو بدون قصد القربة ، كالتطهير من الخبث والإنفاق على الزوجة ودفن الميّت ، فإنه يكفي التطهير ويصحّ حتى ولو لم يقصد الوجه ولا التميـيز ولا الطاعة والقربة إلى الله تعالى فيه .
فأقول : يجب أوّلاً أن نَذْكُرَ رأيَ الخصمِ المخالِفِ لنعرف الأمر عنده تماماً ، وقد اخترنا كلام المحقّق النائيني لاحتمال أن يكون أجودَ مَن عَرَضَ رأيَ الخصمِ ، خاصّةً وأنه تبنّاه ، فقد قال : "مراتبُ الإمتـثال والإطاعة عند العقل أربعة : المرتبة الأولى الإمتـثال التـفصيلي .. المرتبة الثانية الامتـثالُ العلمي الإجمالي كالإحتياط في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي ..المرتبة الثالثة الإمتـثال الظني .. المرتبة الرابعةالإمتـثال الإحتمالي ـ كما في الشبهات البدْوية أو الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي ـ عند تعذر الإمتـثال الإجمالي أو الظني . ولا إشكال في أنه لا تصل النوبة إلى الإمتـثال الإحتمالي إلا بعد تعذر الإمتـثال الظني ، ولا تصل النوبة إلى الإمتـثال الظني إلا بعد تَعَذُّرِالإمتـثالِ الإجمالي ، إنما الإشكال في المرتبتين الأوْلتين . فقيل : إنهما في عرْضٍ واحد ، وقيل بتقديم رتبة الإمتـثال التـفصيلي معالإمكان على الإمتـثال الإجمالي ، وعلى ذلك يـبتـني بطلانُ عبادة تاركي طريقِ الإجتهاد والتقليد والعمل بالإحتياط ، وهذا هو الأقوى ، ولكن في خصوص ما إذا استلزم منه تكرارَ جملةِ العمل ، فإنّ حقيقة الإطاعة عند العقل هو الإنبعاث عن بعث المولى ، بحيث يكون الداعي والمحرك له نحو العمل هو تعلق الأمر به وانطباق المأمور به عليه ، وهذا المعنى في الإمتـثال الإجمالي لا يتحقق ، فإنّ الداعي له نحو العمل بكل واحد من فردَي الترديد ليس إلا احتمال تعلق الأمربه ، فإنه لا يعلم انطباق المأمور به عليه بالخصوص . نعم ، بعد الإتيان بكلا فردَي الترديد يَعلم بتحقق ما ينطبق المأمور به عليه ، والذي يعتبر في حقيقة الطاعة عقلاً هو أن يكون عمل الفاعل ـ حال العمل ـ بداعي تعلق الأمر به حتى يتحقق منه قصد الإمتـثال التـفصيلي فيما بـيده من العمل ، ومجرَّدُُ العِلْمِ بتعلُّقِ الأمر بأحد فردَي الترديد لا يقتضى أن يكون الإنبعاث عن البعث المولوي ، بل