دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٠١ - المسألة الأولى المعاني الحرفية
(نائم) وهيأة الجملة ، وإذا تأمّلتَ في جملة (زيد في البـيت) تلاحظ أنّ فيها حرفين أيضاً ، وهما : حرف (في) وهيأة الجملة ... وهكذا .
إذا فهمتَ كلّ هذا تَعرِفُ ح السرَّ في قول أمير المؤمنين t: والحرفُ ما اَوجَدَ معنىً في غيره [٥٧]، فإنّ المجيء بالحرف إنما يكون لإيجاد معنى في غيره ، وليس نظرُ المتكلِّمِ حين يأتي بالحرف إلاّ
[٥٧] كلمات مهمّة تستحقّ المطالعة : مَن أوّلُ مَن وَضَعَ عِلْمَ النحْوِ ؟
قال السيد المرتضى ( ٣٥٥ ـ ٤٣٦ هـ ) في كتابه (الفصول المختارة من العيون والمحاسن) : "أخبرني الشيخ أدام الله عزه ـ أي اُستاذه الشيخ المفيد ـ مرسلاً عن محمد بن سلام الجمحي (البصري متوفى سنة ٢٣١ ، وهو تلميذ أبان بن عثمان الأحمر ، له كتاب طبقات الشعراء) أن أبا الأسود الدؤلي دخل على أمير المؤمنين (ع) فرَمَى إليه رُقْعَةً فيها : بسم الله الرحمن الرحيم الكلامُ ثلاثة أشياء : إسم وفعل وحرف جاء لمعنى ، فالاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أوجَدَ معنى في غيره ، فقال أبو الأسود : يا أمير المؤمنين هذا كلامٌ حَسَنٌ ، فما تأمرني أن أصنع به ، فإنـني لا أدري ما أردتَ بإيقافي عليه ؟ فقال أمير المؤمنين (ع) : إني سمعت في بلدكم هذا لحناً كثيراً فاحشاً ، فأحبـبتُ أن أرسم كتاباً مَن نَظَرَ إليه مَيَّزَ بين كلام العرب وكلام هؤلاء ، فابْنِ على ذلك ، فقال أبو الأسود : وفَّقَنا الله بك يا أميرَ المؤمنين للصواب .
ومن اللازم تذكيرُ الناس بأنّ أول من وضع أصول علم النحو باتـفاق الرواة وأهل العلم هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع ألقاها إلى أبي الأسود الدؤلي ظالم بن عَمْرو أحد سادات التابعين وزاد عليه أبو الأسود وفرَّعَ بإرشاد علي tوإشارته .
وإنما سمي هذا العلم نحواً لأنه لما أَلقَى أمير المؤمنين أصولَه إلى أبي الأسود قال له : اُنْحُ هذا النحْوَ وأضِفْ إليه ما وَقَعَ إليك ، أو لأنه لما زاد عليه وأتَى به إليه قال له : نِعْمَ ما نَحَوْتَ ، أو ما أحْسَنَ هذا النحْوَ الذي نَحَوْتَ . وقال ابن النديم في الفهرست : قال أبو جعفر بن رستم الطبري : إنما سُمِّيَ النحْوُ نحْواً لأن أبا الأسود الدؤلي قال لعليّ (ع) وقد اَلقَى إليه شيئاً مِن أصول النحو ، قال أبو الأسود فاستأذنـته أن أصنع نحْوَ ما صنع فسمى ذلك نحواً . قال ابن أبي الحديد في أول شرح نهج البلاغة : ومن العلوم علمُ النحو والعربـية ، وقد عَلِمَ الناسُ كافةً أنّ أمير المؤمنين هو الذي ابتدعه وأنشاه وأملَى على أبي الأسود الدؤلي جوامعَه وأصولَه ، من جملتها : الكلام كله ثلاثة أشياء : إسمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ ، ومن جملتها تـقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة ، وتـقسيمُ وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم ، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات ، لأن القوة البشرية لا تـفي بهذا الحصر ولا تـنهض بهذا الإستـنباط ..."(إنـتهى كلام ابن أبي الحديد) . وقال عبد الله بن مسلم بن قتيـبة الدينوري في كتاب الشعر والشعراء : أبو الأسود الدئلي ظالم بن عَمْرو يُعَدُّ في النحويـين لأنه أول من عمل كتاباً في النحو بعد علي بن أبي طالب ... إلخ . وقال ابن حَجَر في الإصابة : قال أبو علي القالي حدثـنا أبو إسحاق الزجاج حدثـنا أبو العباس المبرد قال : أول من وضع العربـية ونَـقَّطَ المصاحفَ أبو الأسود ، وقد سئل أبو الأسود عمن نهج له الطريق فقال : تلقيته عن علي بن أبي طالب .. إلخ . وقال ابن الأنباري في نزهة الألباء : قال أبو عبـيدة معمر بن المثـنى وغيره : أخذ أبو الأسود الدؤلي النحو عن علي بن أبي طالب ، قال وحكى أبو حاتم السجستاني : أخذ أبو الأسود النحو عن علي بن أبي طالب ، ثم قال ابن الأنباري : وقرأ أبو الأسود على عليٍّ فكان أستاذَه في القراءة والنحو .. إلخ . وعن محاضرات الراغب عند ذكره لأبي الأسود : هو أول من نَـقَّطَ المصحفَ وأسس أساس النحو بإرشاد علي ع وكان شيعياً .. إلخ . وعن اليافعي في مرآة الجنان : ظالم بن عَمْرو أبو الأسود من سادات التابعين وأعيانهم وهو أول مَن دَوَّنَ عِلْمَ النحو بإرشاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ... إلخ . وعن أبي القاسم الزجاج في أماليه عن أبي جعفر الطبري عن أبي حاتم السجستاني عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي عن سعيد بن مسلم الباهلي عن أبـيه عن جده عن أبي الأسود الدئلي قال : دخلت على علي بن أبي طالب فرأيته مطرقاً مُفَكِّراً فقلت : فيم تـفكر يا أمير المؤمنين ؟ قال : إني سمعت بـبلدكم هذا لحناً فأردت ان أضع كتاباً في أصول العربـية ، فقلنا : إنْ فعلتَ هذا أحيـيتـنا وبَقِيَتْ فينا هذه اللغةُ ، ثم أتيته بعد ثلاث فألقَى إليَّ صحيفةً فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، الكلامُ كلُّه : إسم وفعل وحرف ، فالإسم ما أنبأ عن المسمَّى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس بإسم ولا فعل ، ثم قال لي : تـتبَّعْه وزِدْ فيه ما وقع لك ، واعلمْ أن الأشياء ثلاثة : ظاهر ومُضْمَرٌ وشيءٌ ليس بظاهر ولا مضمر . فجمعتُ منه أشياء وعرضتها عليه فكان من ذلك حروفُ النصب فذكرت فيها إنّ وأنَّ وليتَ ولَعَلَّ وكأنَّ ، ولم أذكُرْ (لكِنَّ) ، فقال لي : لِمَ تركتَها ؟! فقلت : لَمْ أحسبْها منها ، فقال : هي منها ، فزدتُها فيها ... إلخ . وقال السيوطي في الأوائل : أولُ مَن وضع النحو علي بن أبي طالب ، قال أبو الأسود : دخلت على أمير المؤمنين علي فرأيته مطرقاً مفَكِّراً وذكر ما مر إلى قوله فزدتها فيها . وقال أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري في أول كتابه نزهة الألباء : أول مَن وضع علمَ العربـية وأسَّسَ قواعدَه وحَدَّ حدودَه أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وأخَذَ عنه أبو الأسود الدئلي . ثم قال وسبب وضْعِ عليٍّ (ع) ما روى أبو الأسود ، قال : دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع فوجدت في يده رقعة فقلت : ما هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إني تأملت كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء ـ يعني الأعاجم ـ فأردت أن أضع شيئاً يَرجعون إليه ويَعتمدون عليه ، ثم ألقَى إلي رُقعَةً وفيها مكتوبٌ : الكلام كله إسم وفعل وحرف ، الإسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبئ به ، والحرف ما أفاد معنى ، وقال لي : اُنْحُ هذا النحْوَ وأضِفْ إليه ما وقع إليك . واعلمْ أن الأسماء ثلاثة : ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر ، وإنما يتـفاضل الناسُ فيما ليس بظاهر ولا مضمر ، وأراد بذلك الإسم المبهم قال : ثم وضعتُ بابي العطف والنعت ثم بابي التعجب والإستـفهام إلى أن وصلتُ إلى باب إنَّ وأخواتِها ما خلا (لكنَّ) ، فلما عرضتُها على عليّ (ع) أمرني بضَمِّ (لكنَّ) إليها ، وكنت كلَّما وضعتُ باباً من أبواب النحو عرضتُه عليه إلى أن حصلت ما فيه الكفاية . قال : ما أحْسَنَ هذا النحْوَ الذي قد نَحَوتَ ، فلذلك سمي النحو . ثم قال : ويروى أنَّ سبب وضع عليّ (ع) لهذا العلم أنه سمع إعرابـياً يقرأ لا يأكله إلا الخاطئين فوضع النحو .. وقال أبو الأسود : رأيتُ أن أبدأ بإعراب القرآن فاعربه بالنقط ، ثم وضَعَ المختصرَ المنسوب إليه بعد ذلك ... إلخ ، وإعراب القرآن لا دخل له بوضع علم النحو الذي كان في زمن أمير المؤمنين ع وبأمْرِه . ثم أظهر أبو الأسوَد ما كان ألَّفَه قبل وتلقنه من أمير المؤمنين في زمن زياد بن أبـيه . ويُرشد إلى ما ذكرناه من أن أبا الأسود أظهر في زمن زياد ما كان ألَّفَه قبل وتلقنه من أمير المؤمنين ما ذكره ابن النديم في الفهرست قال : إختلف الناس في السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو فقال أبو عبـيدة : أخذ النحو عن علي بن أبي طالب أبو الأسود وكان لا يُخْرِجُ شيئاً أخَذَه عن علي إلى أحد حتى بعث إليه زياد أنِ اعملْ شيئاً يكون للناس إماماً ويعرف به كتابُ اللهِ ، فاستعفاه حتى سمع أبو الأسود مَن يقرأُ إن الله برئ من المشركين ورسوله بالكسر فقال ما ظنـنـت أنّ أمر الناس آل إلى هذا ، ووضع النقط للشكل ... إلخ . ووضْعُ النقطِ للشكل وإن كان لا دخل له بوضع النحو إلا أنه يشير إلى أن أبا الأسود كان أخفى ما أخذه عن علي ع إلى ذلك الوقت ثم أظهره . مصدر هذا الكلام : أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين المجلد الأول تحت عنوان (العلماء والمؤلفون في اللغة والنحو من الشيعة) ص ١٦١ .