دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٣٤ - الموقفُ الشرعي في حال تعارض الأمارتين
أشهريّةُ الروايتين . لكن نعود ونقول : لم يظهر أنّ الترجيح بالشهرة يفيدنا كثيراً ، وذلك لأنّ العلّة في الترجيح بالشهرة هو أنها تورث الإطمئـنان والوثوق بصدور الرواية وبجهة صدورها .
ثم إنك تلاحظ من الروايات الكثيرة التي ذكرها في ئل ب ٩ وعددها ٤٨ روايةً أنّ الأئمّة (ع) لم يذكروا الترجيحَ بصفات الراوي ولم يتعبّدونا بالترجيح بالشهرة الروائيّة أو الفتوائيّة ، ممّا يخلق عندنا اطمئـناناً قويّاً بأنّ الصحيح هو الترجيح بمخالفة العامّة لا غير ، إذ لو كان هذان الترجيحان صحيحين لذَكَرَهُما أئمتـنا iمرّاتٍ كثيرة ، ولذلك نحن لا نرجّح الروايةَ الصحيحةَ على الرواية الموثّقة .
٣ ـ وروى محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي (من أعلام القرن التاسع) في عوالي اللآلئ قال : رَوَى العلاّمةُ ـ مرفوعاً ـ إلى زرارة بن أعيَن قال : سألت الباقر (ع) فقلتُ : جُعِلْتُ فِداك ، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان ، فبأيِّهِما آخُذُ ؟ قال (ع) : يا زرارة ، خُذْ بما اشتهر بين أصحابك ودعِ الشاذَّ النادرَ ، فقلت : يا سيدي ، اِنهما معاً مشهوران مرويّان مأثوران عنكم ؟! فقال (ع) : خُذْ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك ، فقلت : اِنّهما معاً عدلان مرضيان موثقان ؟! فقال (ع) : اُنظرْ ما وافق منهما مذهبَ العامّةِ فاتركْه وخُذْ بما خالفهم ، قلتُ : ربما كانا معاً موافقين لهم أو مخالفين فكيف نصنع ؟ فقال (ع) : إذَنْ فخُذْ بما فيه الحائطةُ لدِينِك ، واتركْ ما خالف الإحتياطَ فقلت : اِنهما معاً موافقان للإحتياط أو مخالفان له ، فكيف أصنع ؟ فقال (ع) : إذَنْ فتخَيَّرْ أحدَهما فتأخذَ به وتدعَ الآخر [٩٣٧]. وبما أنّ سند هذه الرواية مرسل جدّاً وهي غير موجودة في أيّ كتاب قديم من أيام الشيخ الطوسي ومَن قَبْلَه ، بل لم تصلنا من أحدٍ من الرواة من عصر المعصومين (ع) إلى أيام ابن أبي جمهور ، لذلك لا يمكن الإعتماد عليها ، لا بل لم نجد هذه الرواية في كتب العلاّمة رغم بحثـنا الكثير جدّاً في الحاسوب ، وكلّ مَن رواها إنما يرويها عن ابن أبي جمهور عن العلاّمة الحلّي !! ولا يَذْكُرُ أحَدٌ منهم مصدرَها في كتاب من كتب العلاّمة !! ولك أن تقول هي مرفوعة في موضعين : (١) بين ابن أبي جمهور والعلاّمة ، و(٢) بين العلاّمة وزرارة !! ولذلك لا نعلّق على هذه الرواية ، على أنها تلغي نفسها بنفسها ، فلا هي مشهورة ، ولا لها سند مقبول ، ولا مؤيّد لها أصلاً ، وإن كانت مؤيِّدةً إجمالاً للمقبولة السابقة ، ومن أهمّ الفروق بين
[٩٣٧] جامع أحاديث الشيعة ج ١ ب ٦ من أبواب المقدمات ح ٢ ص ٢٥٥ .