دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٢٦ - الموقفُ الشرعي في حال تعارض الأمارتين
القرآن الكريم لا يتدخل في الأعمّ الأغلب بالتـفاصيل الفقهيّة ، ولذلك يكون المراد هو أن لا تخالف الروايةُ القرآنَ الكريم بنحو التعارض المستقرّ .
ثمّ لا شكّ أنّ المتأمِّل في الروايات وأسانيدها وفي المناط المذكور في الروايات يتأكّد من أنّ المراد هو أنّ الميزان في الترجيح هو مخالفة (أقوال العامّة) ووضعهم الخارجي ، لا أخبارهم ـ كما ورد في هذه الرواية السالفة الذكر ـ راجع مثلاً مقبولة عمر بن حنظلة التالية ورواية علي بن أسباط ومرفوعة أبي إسحق الأرجاني وغيرَها فإنك تـتبـيَّنُ بأنّ المراد هو مخالفة فتاواهم ـ لا أخبارِهم ـ وذلك لأنّ المتبادَر من الروايات المستـفيضة القائلة خُذْ بما خالف القومَ ، وما وافق القومَ فاجتـنبْه هو قولُهم وما هم عليه فِعْلاً ـ لا رواياتهم ـ وذلك لأنهم قد يروون روايات ويخالفونها في فتاواهم وأقوالِهم ، وذلك ـ كما يقول السيد الشهيد الصدر ـ "لأنّ الترجيح يكون بنكتة طريقيّة عرفيّة مرتكزة ، لا مجرّد التعبّد الصرف ، والإمام يتّقي من الوضع الفعلي لهم ومن فتاواهم ، لا من مجرّد أخبارهم" (إنـتهى) [٩٢٩] . ولك أن تقول بأنّ المراد من (أخبارهم) في روايتي القطب الراوندي ومحمد بن عبد الله هو الأخبار التي يعملون بها ويفتون بها والتي نـتقيها .
وبتعبـير آخر : إذا أراد الإمامُ (ع) أن يتّـقيهم فإنما يتّـقي فتاواهم التي يقول بها حكّامُهم وقضاتهم ، ولا شُغْلَ له بأخبارهم المتروكة ، وكذلك إذا أرادوا هم أن يخالفونـنا فإنهم يخالفونـنا بفتاواهم وأقوالهم ، سواءً بدليل القياس أو الإستحسان أو المصالح المرسلة ، ولذلك إذا رأى الفقهاءُ حديثين : واحداً يوافق فتاوى القوم ، والآخرَ يخالفها بنحو التعارض المستقرّ فإنهم يطمئـنون عادةً أنّ الموافق لهم قد خرج تقيّةً منهم ، ويرجّحون بالفطرةِ الحديثَ المخالِفَ للقوم .
ولك أن تؤيّد ما نقوله بما رواه في ئل عن سعيد بن هبة الله الراوندي بالإسناد السابق عن أبي جعفر بن بابويه عن محمد بن موسى بن المتوكل (ثقة) عن علي بن الحسين السعد آبادي (القمّي الثقة) عن أحمد بن أبي عبد الله (البرقي) عن أبـيه عن محمد بن عبد الله[٩٣٠] قال قلت للرضا (ع) : كيف نصنع بالخبرين المختلفين ؟ فقال : إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا إلى ما يخالف منهما
[٩٢٩] مباحث الأصول / الجزء الخامس من القسم الثاني ص ٧١٢ .
[٩٣٠] يوثّق لرواية البزنطي عنه بسند صحيح في الكافي ج ٤ باب فضل الحجّ والعمرة ح ٣٤ ص ٢٦٠ . ولا بأس أن نذكر هنا ملاحظة وهي أنّي لم أجد في الروايات (عن أحمد بن أبي عبد الله عن أبـيه عن محمد بن عبد الله) إلاّ هذه الرواية !