دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٢٤ - الموقفُ الشرعي في حال تعارض الأمارتين
مع أنّ اليد من الأمارات الظنيّة القوية لأنها أمارة شخصيّة واضحة ، فإنّ البَـيّنَة لا محالة تقدَّمُ على السوق بطريق أولى لأنّ أماريّة السوق عامّة إجماليّة بل قد لا تورث حتى الظنّ في الكثير من الأحيان .
الثانية : إنّ عمدة الوجه في حجية السوق هي السيرة العملية بين المتدينين بل وسائر العقلاء ، وهذه السيرة غير قائمة فيما لو قامت البَـيّنَة العادلة على عدم التذكية .
هذا مضافاً إلى أنه على فرض التعارضِ النـتيجةُ هو التساقط ، فيكون المرجع استصحابَ عدم التذكية ، فنـتيجة التساقط وتقديم البَـيّنَة واحدة .
*ثم هل تـتـقدّم البَـيّنَةُ على سوق المسلمين بالورود أو بالتخصيص ؟
الجواب : لا شكّ في تقدُّمِ البَـيّنَة على سوق المسلمين بالورود ، فإنّ حالتـنا هذه هي في تقدّم حجّة قويّة على حجّة ضعيفة اُخذ في شرطها عدمُ وجود حجّة أقوى ، حيث تُلغي الأمارةُ القويّةُ جريانَ الأمارةِ الضعيفة بإلغاء شرطها ، أي كما في تقدّم الأمارة على الأصل العملي تماماً ، وكما في تقدّم الإستصحاب على قاعدة الطهارة ، لأنه قد اُخذ في شرط قاعدة الطهارة عدم وجود حالة سابقة ، وليس الكلام هو في إخراج حُكْمِ موردٍ خاصٍ من تحت حكم العام كما في (أكرِمِ العلماءَ) وجاء مخصّصٌ منفصلٌ يقول (لا تكرمْ فُسّاقَ العلماءِ) فإنّ المخصِّص المنفصلَ هنا هو في عرْض (أكرمِ العلماء) وليس في طوله وذلك لأنه لم يؤخذ في قضية (لا تكرم فُسّاقَ العلماءِ) شرطُ عدمِ مجيء دليلٍ عامٍّ ، بخلاف قاعدة الطهارة ، فإنه اُخذ في شرطها عدمُ وجود حالة سابقة ، وكما في سوق المسلمين ، فإنه اُخذ في حجيّته عدمُ وجود بَـيِّنة مخالِفة .
مثالٌ آخر : لو قامت بَـيِّنَةٌ عند الظانّ في عدد الركعات على خلاف ظنِّه ، كما لو ظنّ المصلّي بأنه في الركعة الثالثة ، وقالتِ البَـيّنَةُ بأنه في الركعة الرابعة ، فهل عليه أن يعمل على طبق البَـيّنَة أو يجب عليه العملُ على طبق ظنِّه هو ـ طبعاً بعد الفراغ عن حجية الظن في عدد الركعات ـ أو لا هذا ولا ذاك ؟
الظاهر من أقوائيّة البَـيّنَة على الظنّ بوضوح هو لزوم القولِ بالرجوع إلى البَـيّنَة العادلة القائلة بأنه في الركعة الفلانيّة ، فإنّ خبر الثقةِ الواحد في الموضوعات حجّة وهو أقوى كاشفيّةً من الظنّ ، فكيف إذا كان المخبِرُ شخصين عادلين يجزمان بأنه في الركعة الفلانيّة ؟!
٢ ـ ما لو تعارض خبرُ ثِـقةٍ مع خبر ثـقة آخر بنحو مستـقرّ ، أي بحيث لا يمكن الجمع العرفي بين دلالتيهما ، في هكذا حالة لكي نعرفَ الموقفَ الشرعي ، علينا أن نـنظر إلى أهمّ الروايات المشهورة التي رواها علماؤنا وهي :