دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩ - المـقـدّمـة
دونها ـ ، وأمّا لو شككنا في وجوب السورة بعد الفاتحة أو حرمتها ـ كما لو كنّا في ضيق الوقت ـ فالشكُّ في هكذا حالةٍ يكون بين محذورَين ـ لأنّ الشكّ ح يكون مردَّداً بين وجوب قراءتها وحرمة قراءتها ـ .
وكما في تعريف الدليل المحرِز ، فإنه الدليلُ الشرعي الحجّةُ الذي يكون فيه كشفٌ ، قليلاً كان الكشفُ أم كثيراً ، فأكملُه هو الدليلُ القطعي ، ثم يتـنزّل قيمةً وشرفاً بتـنزّل كاشفيته ، فيأتي بَعده الإطمئـنانُ ثم ما دونه ، كالبـيّنة وخبر العادل وخبر الثقة وسيرة المعصومين iوإمضائهم والظهور واليدِ وسوقِ المسلمين والفراغ والتجاوز والصحّة في عمل الغير والظنّ في عدد ركعات الصلاة وغيرِها من الأمارات التي تُحْرِزُ الواقعَ وجداناً أو تعبّداً ، والتي شرّعها اللهُ تعالى لأنها تصيب الواقعَ غالباً ... إلى أن تصل إلى أضعف الأدلّة المحرِزة كالإطلاق في "لا تـنقَضِ اليقينَ أبداً بالشكّ" ، فإنك كثيراً ما تشكّ في الشمول ـ كما لو شككتَ في إرادة استصحاب الأحكام أيضاً ـ فتمسّكَ الشيخُ الأنصاري بإطلاق "لا تـنقَضِ اليقينَ أبداً بالشكّ" ليُجري الإستصحابَ في الحكم الشرعي المعلّق "إذا غلى العصير العنبي فإنه يحرم" ، ونحن نـُنكِرُ ذلك لادّعائنا عدمَ إمكان جريان الإستصحاب في الحكم المعلّق ... ولذلك كان الإطلاق للحدود المشكوكة من أضعف الأمارات . ولم نُدخِلِ الإستصحابَ في الأدلّة المحرِزة رغم وجود كشف فيه إلى حدٍّ ما ، وذلك لأنّ المولى تعالى إنما اعتبره حجّة لانسجامه مع فطرة الإنسان مع ما فيه من جنبة كاشفية وللتسهيل على الناس ، ولا يمكن اعتبارُه أمارةً لعدم ادّعائه هو بنفسه الكاشفيةَ كخبر الثقة ... على بـيانٍ ليس ههنا محلُّ ذكره .
وعلى ذِكْرِ استصحاب الحكم المعلّق الذي استفاض فيه الحديثُ كثيراً واختلف فيه العلماء كثيراً ، يجب أن أقول بأنّ مسألة استصحاب الحكم المعلّق هي من أسهل البحوث في عِلم الأصول ، فهل تعلم أنّ استصحاب الحكم المعلّق لا يجري لأنك إن أردتَ أن تستصحب القضيةَ الشرطية التالية "إذا غَلَى العصيرُ العنبيُّ فإنه يَحْرُمُ" إلى "إذا جفّ العنبُ وغلى فإنه يحرم" فإنه لا أثر شرعيّ له ، لأنّ الأثر الشرعي يجب أن يكون حُكْماً تكليفياً منجّزاً ، والقضيةُ المستـنبَطةُ المذكورةُ ليست أثراً شرعياً منجّزاً ، إنْ هي إلاّ كبرى في قياس الإستـنباط ، ومع فقدان الأثر الشرعي ـ أي الحرمة المنجَّزة ـ لا يجري الإستصحابُ ، أعني أنّ الأثر الشرعي لا يترتّب على مجرّد استصحاب السبـبـيّة ـ أي ملازمة غليان العصير العنبي للحرمة ـ ، وإنما يترتّب على تحقّق الصغرى والكبرى ، ونحن قد لا نغلي الزبـيبَ أو قد لا يوجد عندنا عصيرُ الزبـيب أصلاً ، فلا أثر ح لاستصحاب السبـبـيّة ، على أنّ لك أن تقول أيضاً بأنّ هذا الإستصحابَ هنا هو أصلٌ مُثْبِتٌ ، وحتى لو أردتَ استصحابَ بقاءِ موضوع الحكم ـ وهو العنبـيّة ـ فأنت إنما تريد إثباتَ عنوان (العصير العِنَبِيّ المغلي) وهو أثر تكويني ـ لا شرعي ـ فيكون