دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٥١ - ٧ ـ الأصلُ المـُثْبِت
إذن عندنا عدة أدلّة على قولنا بعدم حجيّة إثبات الإستصحاب للوازم المستصحَب العقلية والتكوينية والعادية .
مثال آخر : لو أطلق زيدٌ النارَ على عَمْرو وهرب ، بحيث لو بقي عَمْرو في مكانه لوصلت إليه الرَّصاصةُ ولقتلته حتماً ، وبسبب هروب زيدٍ لم يَعلَم ببقاء عَمْرو في مكانه ، فهل يصحّ استصحابُ بقائه في مكانه لإثبات أنه قد قتلته الرصاصةُ ، وبالتالي لنُـثْبِتَ وجوبَ القَوَدِ على زيد أو الدية والكفّارة ؟ قطعاً لا ، وذلك لنفس المانعين السابقين :
المانع الأوّل : يَفهَمُ الفقيهُ من (القتل) الذي يترتّب عليه القَوَدُ أو الديةُ والكفّارة هو (القتل بنحو القطع الوجداني الصفتي) ، أي يجب أن يَثْبُتَ ذلك بالقطع ، فأنت تعلم أنّ الظاهر عرفاً من شروط القضايا الشرطية أنها مطلوبة بنحو الصفتية ، فموضوعُ الحكم بالقود والكفارة إذَنْ هو القتلُ بوجوده الواقعي أي بنحو القطع الوجداني أي الصفتي ، والإستصحابُ لو جرى في بقاءِ عمرو حتى وصلت إليه الرصاصةُ فإنه يُثْبِتُ قتْلَه تعبداً لا بنحو القطع الصفتي ، والإستصحابُ ـ كما قلنا قبل قليل ـ لا يُثبت شروطَ القضية الشرعية الشرطية بنحو القطع الوجداني لأنه سوف يكون أصلاً مثبتاً، وإنما يُثبت الإستصحابُ بقاءَ خصوص الموضوع في القضية الحملية الذي يترتّب عليه الأثرُ الشرعيّ المنجّز مباشرةً ، فقط لا غير .
ولذلك تلاحظ وجودَ تغايُرِ لازمِ المستصحَبِ مع موضوع الحكم ، فموضوعُ الحكم باعتدادِ الزوجة وبتقسيمِ مال زيد هو (القتلُ بوجوده الواقعي أي بنحو القطع) ، والمستصحَبُ هو (بقاؤه حتى وصلت إليه الرصاصةُ) ، ولازمُ المستصحَب هو (موتُه تعبداً) ، ولذلك لا يمكن أن يترتّب على هذا الموت التعبّدي اعتدادُ الزوجة وتقسيمُ المال .
المانع الثاني : الإستهجان العقلائي ، فإنّ استصحاب بقائه في مكانه يترتّب عليه (دخولُ الرصاصة في بدنه تعبُّداً) ، ثم (موتُه بذلك الدخول تعبُّداً) ، وهذا أمر مضحك عند العقلاء ، ولذلك لن يفهم العقلاءُ من أدلّة الإستصحاب أنـنا يجب أن نستصحب (بقاءَه في مكانه تعبداً) لنُثْبِتَ (وصولَ الرصاصة إليه تعبداً) !! لنُثْبِتَ (قتلَه بتلك الرصاصة تعبداً) !! لِنُثْبِتَ (وجوبَ القود على مطلق الرصاصةِ أو الدية والكفّارة) !!! فهذا أمْرٌ مستهجَنٌ عند العقلاء ، ولذلك لا يفهمون وجوبَ الإلتزامِ بالمذكورات مِن لا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشكّ ، ولذلك لا يَثبُتُ في حقّ مُطْلِقِ الرصاصةِ القِوَدُ ولا الكفّارة وذلك لأصالة البراءة العقليّة والشرعية ، نعم يجب عليه التوبةُ والإستغفار لأنه أراد ظلمَ الناس وتجرّأ على الله تعالى .