دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٤١ - ٦ ـ استصحاب الحكم ِ المعلّق
قال المحقّق الأشتياني[٨٢٣]بلزوم البناء على بقاء موضوع الحكم وهو بقاء العِنَبـية ، وذلك لاحتمال عدم دخالة اليـبوسة في موضوع الحكم ، أي يجب أن نُجري الإستصحابَ في الموضوع ما أمكنـنا ذلك ، طبعاً بعد فرض عدم العلم بتغيّر الماهيّة والحقيقة ، وإلاّ فلا شكّ حينـئذٍ في عدم جريان الإستصحاب . والأثرُ الشرعي لهذا الإستصحاب الموضوعي هو أنـنا نطبّق صغرى غليان الزبـيب على كبرى (حرمة العصير العنبي إذا غلى) فنخرج بنـتيجةٍ واضحة وهي حرمة هذا الزبـيب المغلي .
فأقول :
* أمّا بالنسبة إلى الطريقة الأولى فيَرِدُ عليها ما يلي :
أوّلاً : ما ذكره هو ادّعاءٌ محضٌ ومصادرة على المطلوب وليس دليلاً .
ثانياً : بعد عِلْمِك بتغيُّرِ عنوان الموضوع ـ كما لو علمتَ بصيرورة العنبِ زبـيـباً ـ فسوف يكون إجراءُك الإستصحابَ في هكذا حالةٍ عينَ القياس بالدقّة . وبتعبـيرٍ آخر : إنْ أردتَ استصحابَ القضية الشرعية المعلّقة فهذا تدخُّلٌ في عالم الجاعل جلّ وعلا ، أي أنّ هذا ابتداعُ التشريعِ ، وهو حرام عقلاً ، وليس فقط شرعاً ، وإنْ أردتَ استصحابَ الحرمةِ الفعليّة لهذا الزبـيب المغلي ، فالجواب هو أنـنا لا نعلم بأصل وجود تحريم لهذا الزبـيب المغلي لا في مرحلة الحكم الجعلي الواقعي ولا في مرحلة الحكم الكبروي الظاهري ، فكيف نستصحب حرمتَه الفعليّة ؟! لا بل إنّ الحرمة الفعلية ـ كحرمة الأكل من المَيتة التي أمامنا الآن ـ تقع في مرحلة متأخّرة عن مرحلة الكبرى الواقعية والظاهرية ، رتبةً وزماناً ، لأنّ الحرمةَ الفعليّة معلولةٌ للجعل الواقعي ـ كوجوب الصلاة ـ أو الحكم الظاهري[٨٢٤]، فإن لم يمكن إثباتُ قضية (عصير الزبـيب المغلي حرام) ولو ظاهراً فكيف نقول يَحْرُمُ فعلاً الزبـيبُ المغلي ؟!
ثالثاً : عرفتَ من الأبحاث السابقة أنّ الإستصحاب لا يَجري في الشبهات الحكميّة ـ أي في الأحكام الكليّة ـ ، وذلك بـبـيان أنه إذا تغيّر شيءٌ أساسي في الموضوع ـ كما في موت المرجع أو في نقاء الحائض من الحيض ـ فهذه الشبهةُ سوف تكون شبهةً حكمية ـ لا موضوعيةـ فلا يجري الإستصحابُ حتماً ، لأكثر من سبب ، من الأسباب هو أنه لا أثر شرعيّ منجَّزاً لهذا الإستصحاب ، ولذلك نقول بأنه إذا تغيَّرَ موضوعُ القضية ـ حمليةً كانت أو شرطية ـ فلا يمكن التمسّكُ بإطلاق "لا تـنقُضِ اليقينَ بالشكّ" لأنّ أدلّة
[٨٢٣] في كتابه (بحر الفوائد في شرح الفرائد) ج ٣ ص ١٢٠ .
[٨٢٤] كفتوى المرجع بحرمة الزبـيبِ المغلي ، فلو أفتى المرجعُ بذلك ثم غلى المقلِّدُ الزبـيبَ فقد صار هذا الحكمُ الظاهري عليه فعلياً .