دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٢ - الأمارات والأصول
الناس ومراعاةً لميل الإنسان بالبقاء على الحالة السابقة ، وشَرّع الإحتياطَ مراعاةً للملاك الواقعي الأهمّ المجهول ، فهذه الأسباب لا تـقتضي التعبّد باللوازم العقليّة للأصول العمليّة ، وإنما يُقتصَرُ في التعبّد على القدر المتيقّن ، وهي المداليل المطابقيّة للأصول العمليّة .
* ثم لا شكّ أنّ الإنسان يستحقّ العقابَ على المقدار المتـنجَّز عليه شرعاً ، ولا يستحقّ العقابَ على الواقع المجهول ، مثلاً : لو كان شخصٌ يعتـقد بكون الشخص البعيد عنه هو فلان المحترم الدم ، أو جاءته بـينةٌ شَهِدَتْ له بذلك فأطلق عليه النارَ عمداً بهذه النـيّة الفاسدة ، وصادف أنّه كان شخصاً آخر ناصبـياً حربـياً يستحقّ القتل ، فمُطلِقُ النارِ ـ بلا شكّ ـ يستحقّ العقابَ على مخالفته بِنيّته ، أي على تجرُّئِه على الله سبحانه وتعالى ، ولو كان يريد إطلاقَ النار على مَن يعتـقدُ أنه حربـي فصادف أنه كان مؤمناً في الواقع ، فهو لا يستحقّ العقاب عقلاً . وكذا لو استصحب نجاسةَ الماءِ فشَرِبَه عمداً ـ أي خلافاً لوظيفته الشرعيّة بلزوم اجتـنابه ـ وصادف أنّ الماء كان باقياً على النجاسة ، فالعقلُ يَحكم باستحقاقه للعقاب على شربه للماء المتـنجّس، لأنّ وظيفته الشرعيّة كانت وجوب اجتـنابِه لاحتمال نجاسته واقعاً.
*وهنا يجب التعرّض لملاحظتين :
الأولى : لا شكّ أنك تعلم بأنّ دليل قاعدة الطهارة يتعبّدنا بالبناء على الطهارة في حال الجهل بنجاسة الشيء .
وهنا يقال بأنّ دليل قاعدة الطهارة ينزّل مشكوكَ النجاسةِ منزلةَ الطاهر الواقعي ، أي أنه يكون حاكماً على شرطيّة الصلاة ، لأنه يوسّع شرطيّة الطهارة في الصلاة ، وذلك بالتقريب التالي : إنّ موثّقة عمّار المشهورة القائلة بأنّ كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك [٤٨]ظاهرةٌ في التـنزيل بوضوح ، هذا أوّلاً ، وثانياً : أنت إذا صلّيتَ بثوب نجس واقعاً ، طاهرٍ ظاهراً ـ بناءً على قاعدة الطهارة ـ ثم علمتَ بنجاسته ، فقد صحّت صلاتُك واقعاً ، إذن فدليل قاعدة الطهارة يوسّع في شرطيّة الصلاة ، وينزّل المجهولَ النجاسةِ منزلةَ الطاهر الواقعي .
أقول : ما ذُكِرَ غيرُ صحيح ، يتّضح ذلك من خلال الأجوبة على التوهّمات السابقة :
أوّلاً : إنّ استدلالكم بظهور لفظة كلّ شيء نظيف في التـنزيل غير صحيح وذلك بدليل أنك إن توضّأتَ بماءٍ طاهرٍ ظاهراً ـ بناءً على قاعدة الطهارة أو الإستصحاب ـ فصلّيتَ ثم علمتَ بنجاسة الماءِ
[٤٨] ئل ٢ ب ٣٨ من أبواب النجاسات والأواني ح ٤ ص ١٠٥٤ .