دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨١٠ - * الجهة الثانية في أقسام استصحاب الكُلّي
*القِسمُ الرابع من استصحاب الكلّي : ومُفادُه ما لو عُلِم بوجود فردٍ تفصيلاً ، وعُلِم بارتفاع ذلك الفرد ، ثم عُلِم إجمالاً بوجود فردٍ يُحتمَلُ انطباقُه على متيقَّن الحدوث والإرتفاع ، أي يُحتمَلُ أن يكون غيرَه فيكون باقياً ، ومثاله الفقهي ما لو رأى في ثوبه منيّاً وعلم أنه منه ، ولكن لم يعلم أنه من جنابة سابقة اغتسل منها أو من جنابة أخرى لم يغتسل منها . والصحيح هو عدم وجوب الغُسل عليه . وبتعبـيرٍ آخر ، إذا رأى أثَرَ جنابةٍ على ثوبه ليلةَ الخميس وكان قد اغتسل منها ، ثمّ رأى بعد ذلك أثراً آخرَ في ثوبه ، وشكّ في هذا الأثر ، هل أنه أثرُ الجنابة الأولى التي اغتسل منها أو أنه أثرُ جنابةٍ أخرى حصلَتْ بعد اغتساله من الجنابة الأولى ؟ وقع الخلاف في أنّه هل هو من القسم الثاني أو الثالث ؟ وقد ألحقه جماعةٌ بالثالث ، نظراً إلى أنّه إن كان حاصلاً قبل الغُسل ، فقد ارتفع قطعاً ، واحتمالُ حدوثه بعد الغُسل احتمالٌ لحدوث جنابة أخرى بعد القطع بزوال السبب الأوّل . والصحيح هو لزوم استصحاب عدم حدوث جنابة جديدة .
وشرحه السيد الخوئي بالكيفية التالية قال : "القسم الرابع من استصحاب الكلّي هو ما إذا حصل للمكلَّف يقينان ، وتعلق كل منهما بعنوان مغايرٍ لما تعلق به الآخر ، واحتمل اتحاد المعَنْوَن بهما خارجاً مع العلم بزوال ما تعلق به اليقين الأول ، كما لو عَلِمَ بشيءٍ من طريق الرؤية وعلم بارتفاعه ، وعلم أيضاً من طريق السمع مثلاً بتحقق عنوان قابل للإنطباق على المتيقن الأول الذي علم زواله ومحتملِ الإنطباق على فرد آخر يحتمل بقاؤه ، كما إذا رأى زيداً في الدار ، فعلم بوجوده فيها ، ثم رآه قد خرج ، وسمع صوت متكلم ، فعلم بوجوده فيها بهذا العنوان واحتمل كونَه زيداً الذي علم بخروجه كما احتمل أن يكون غيرَه وهو باق في الدار بَعْدُ جزماً أو احتمالاً ، ففي المقام يقينان تعلقا بعنوانين ، أحدهما : ذات زيد ، والآخر : عنوان المتكلم ، بحيث لو سئل عما علم به أجاب بأني عالم بأمرين .
ويجري فيه الإستصحاب لتمامية أركانه ، إذ لا يعتبر فيه سوى اليقين بحدوث شيءٍ بأيِّ عنوانٍ تعلق اليقينُ به والشكِّ في بقائه ، ففي المثال تحقُّقُ الإنسانِ في الدار بعنوان المتكلم متيقَّنٌ ، ويُشَكُّ في بقائه ، فيُستصحَبُ بقاءُ الطبـيعي الملغَى عنه خصوصيةُ كونِه في ضِمن زيد أو عَمرو . ولا يعتبر في الإستصحاب كونُ المتيقَّنِ معلوماً بذاته دون عنوانه ، على ما هو ظاهر إطلاق الأدلة .
نعم ربما يكون هذا الإستصحاب معارَضاً باستصحاب آخَرَ شخصيٍّ أو كُلِّي ، فيسقطان بالمعارضة ، والمثال الشرعي لذلك ما إذا علم المكلف بالجنابة ليلة الخميس ، وعلم بارتفاعها بالغسل ، ثم رأى في ثوبه أثراً ، فعلم بحدوث الجنابة حين خروجه بهذا العنوان ، وتردد بين أن تكون هي الجنابة السابقة التي اغتسل منها ، أو تكون جنابةً أخرى باقيةً ، فيُستصحَبُ بقاءُ طبـيعي الجنابة المتيقَّنة حين خروج