دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٠ - الأمارات والأصول
فإنِ اشتريتَ شيئاً من شخص فلك أن تحلف أنه لك ، بل لك أن تحلف أنه كان للبائع ، وهذا مبنيّ على تـنزيل ظاهر الحال ـ الناشئ من اليد ـ منزلةَ الواقعِ . لاحِظْ مثلاً ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبـيه وعلي بن محمد القاساني جميعاً عن القاسم بن يحيى عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (ع) قال قال له رجل : إذا رأيتُ شيئاً في يدَي رجلٍ يجوز لي أن أشهد أنه له ؟ قال : نعم ، قال الرجل : أشهدُ أنه في يده ولا أشهد أنه له ، فلَعَلَّهُ لغيره ، فقال أبو عبد الله (ع) : أفيحل الشراءُ منه ؟ قال : نعم ، فقال أبو عبد الله t: فَلَعَلَّهُ لِغَيرِه ! فمِن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثم تـقول بعد الملك : هو لي وتحلفُ عليه ، ولا يجوز أن تـنبِسَه إلى مَن صار مُلْكُهُ مِن قِبَلِه إليك ؟! ثم قال أبو عبد الله (ع) : لو لم يَجُزْ هذا لم يَقُمْ للمسلمين سُوقٌ [٤٥] مصحَّحة الكافي ، وتصحّح أيضاً من باب رواية الصدوق عن سليمان بن داود في الفقيه مباشرةً ممّا يعني أنّ كتابه من الكتب التي عليها معوّل الشيعة وإليها مرجعهم .
* وهنا لا شكّ أنك سوف تستشكل علينا فتـقول : كيف خلطتَ ـ في أوّل هذه الفقرة ـ بين التـنزيل منزلة العلم والتـنزيل منزلة الواقع وكأنهما واحد ؟! فالجواب : هو أنّ التـنزيل منزلة العِلْم ليس إلاّ بلحاظ متعلّق العلم ، أي ليس العِلْمُ هنا إلاّ مرآةً وطريقاً وكاشفاً للمتعلّق ، فهُما واحدٌ حقيقةً ، فأنت إذا قرأت رواية معتبرة تـقول بوجوب السورة بعد الفاتحة وقلنا بأنّ الله تعالى نزّلك منزلةَ العالِم بالحكم ، فهذا التـنزيل هو كما لو نزّل الله جلّ وعلا مؤدّى الأمارةِ منزلةَ الواقعِ تماماً .
* وأمّا الأصولُ العمليّةُ فقد شرَّعَها اللهُ في مقام عدم وِجدان أماراتٍ معتبرة شرعاً ، ولذلك كانت الأماراتُ واردةً على الأصول العمليّة لأنها تُلغي موضوعَها . والأصولُ العمليّة قد يجريها خصوصُ المجتهد ـ وليس العامّي ـ ويَستـنبِط منها أحكاماً شرعيّة ، كأصالة الطهارة في الشبهات الحكميّة والبراءة والحِلّ ، وقد يجريها العامّي كأصالة الطهارة في الشبهات الموضوعيّة ، وكالإستصحاب في الشبهات الموضوعيّة . وبتوضيح أكثر : الإستـصحابُ في الشبهات الحكميّة بما أنه غير صحيح[٤٦]فهو ليس أصلاً عمليّاً عندنا ولا يدخل في علم الأصول عندنا ، وإنما الإستصحاب في الشبهات
[٤٥] ئل ١٨ ب ٢٥ من أبواب كيفية الحكم ح ٢ ص ٢١٥ .
[٤٦] إلا في استصحاب عدم النسخ ، وذلك لأنّ الإستصحاب هنا المرادُ منه الإستصحابُ العقلي ، فعقلُك يأمرُك بعد التحقيق أن تَبقَى على حُكْمِ الآية حتى يَثبُتَ نَسْخُ حُكْمِها .