دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٧٩ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
فإنه يجوز تقليده" و "إذا حاضت الزوجة فلا يجوز مقاربتُها" و "إذا تقذّر الماءُ بالنجاسات المعروفة فقد تـنجّس" ، هنا كلامُنا ، وفي هكذا حالةٍ لم يتّضح صحّةُ جريان الإستصحاب فيها لأنّ حالةَ ما قبلَ موت المرجع غيرُ حالةِ ما بعد الموت ، وحالةُ ما بعد الحيضِ غيرُ حالةِ كونِها حائضاً ، وحالةُ التقذّرِ غيرُ حالة النقاء ... مثلاً : نحن من الأصل ليس عندنا عِلْمٌ بجواز تقليد المرجع بعد موته ، أو قُلْ : نحن إنما قلنا بوجوب تقليد العالِم من باب حكم العقل برجوع الجاهل إلى العالم ، هذا الحكمُ العقلي بالتقليد لم يتّضح فيما إذا مات المرجع ، حتى ولو قلنا إنّ حكم العقل هو حكمٌ شرعيٌّ ، على أساس أنّ حُكْم العقلِ هو نفسه حُكْمُ الشرع ، إذ أنّ الله تعالى هو عاقل بل هو رئيس العقلاء ، فمِنَ المحال أن لا يحكم اللهُ بما يراه العقلُ واضحاً ، ولكن لا دليل على صحّة استصحاب جواز التقليد بعد موت المرجع ، سواءً كان جوازُ التقليد عقلياً أم شرعياً ، خاصةً وأنّ أحكام العقل لا تُستصحَبُ بلا شكّ ولا خلاف ، على أنّ الأصلَ هو عدم جواز التقليد ، خَرَجَ من هذا وجوبُ رجوع الجاهل إلى العالم الحيّ ، فإنْ شككنا في بقاء موضوع التقليد عند موت المرجع أو في بقاء جواز التقليد ـ كحكمٍ ـ فالأصلُ عدمُ الجواز ... وهكذا في سائر الأمثلة . تغيُّرُ بعضِ شروط موضوعِ الحكم هو الذي سبَّبَ عندنا الشكَّ في بقاء الحكم وزواله وهو أشبهُ شيءٍ بموضوع قاعدة اليقين ، فكما كنّا نشكّ هناك بنفس اليقين السابق ، فقالوا بعدم صحّة استصحاب اليقين السابق ، لأنّ نفسَ اليقينِ السابق تزلزل ، فكذلك هنا تماماً ، نفسُ اليقين بوجود موضوع التقليد قد زال ، ونفس اليقين بـبقاء موضوع حرمة الوطء زال ... وهكذا ، فلا يقين سابق بـبقاء الموضوع .
وبتعبـيرٍ آخر : لا شكّ أنك لاحظتَ كثرةَ تأكيد أئمّتـنا iعلى لزوم أن يكون الحادث سابقاً متيقّنَ الحدوث ، وأنّ الشكّ إنما هو في طروء طارئ غيَّر حُكْمَ الموضوعِ الذي لم يطرأ عليه شكّ أصلاً . وأمّا ما نحن فيه فلم يـبقَ عندنا يقين بـبقاء الحالة السابقة ، وإنما شرطُ الموضوع السابق قد تغيّر ، فالركنُ الأوّل زال ، ذلك لأنّ اليقينَ السابق بالموضوع قد زال بزوال بعض شروطه ، فماذا نستصحب ؟!
* الوجه الثالث ولا بأس به ، وبـيانُه هو أنّه في موت المرجع مثلاً أو في إغمائه صار الشكُّ في طول أمد المرجعيّة وصلاحيّة التقليد ، وكذا في مثالَي نقاء الحائض ونقاء الماء ، وذلك بسبب تغيُّرِ شرطِ الموضوع ، ولذلك إذا نـقتِ الحائضُ مثلاً ، أي زالت عنها خصوصيةُ الحيض ـ والحيضُ شرطٌ من شروط الحرمة ـ فإنه لا يصحّ عقلاً جريانُ استصحاب حرمة وطئها وذلك لزوال شرط الحرمة ولو شرط الحرمة الإبتدائية ، ولذلك يجب علينا أن نرجع إلى الحكم الأوّلي وهو الجواز ، فالشكُّ هو في الحقيقة في طول