دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٧٣ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
الماء بحيث شككنا في بقاء البقيّة كرّاً ، فإنّ الموضوع تغيّر بلا شكّ ، لكن رغم ذلك كان تغيّره قليلاً بحيث كان لنا عرفاً أن نستصحب بقاءه كرّاً ، والسرُّ في ذلك هو أنّ المتشرّعة يفهمون من الأدلّة الشرعية لزومَ استصحاب بقاء موضوع الحكم ، وبالتالي سيـبقى حكمُه لا محالة ، لكن هذا الإستصحاب هو استصحاب موضوعي لا حكمي .
وأمّا إذا تغيّر اسمُ الموضوع أي حصل انقلابٌ في ماهيّته ـ كما لو صار المنيُّ فرساً ـ فإنه لا يصحّ الإستصحاب بالإجماع ، وذلك لوضوح ذلك من أدلّة الإستصحاب التي مُفادها أنـنا يجب أن نستصحب الحالةَ السابقة لنفس الموضوع ، فلو صار المنيُّ فَرَساً مثلاً فإنّ الموضوع بما أنه تغيّر فلا يمكن استصحاب النجاسة ، وذلك لتغيّر الموضوع أو قُلْ لِتَغيُّرِ الحقيقة والماهيّة ، وهذا بطبـيعة الحال أمر إجماعي أيضاً . وبتعبـير آخر ، إنك تفهم من كلمة (النقض) في قول الإمام t لأنك كـنت على يقين من طهارتك ، ثم شككتَ ، فليس ينبغي لك أن تـنقض اليقين بالشك أبداً لزومَ كونِ الموضوع المتيقّن والموضوع المشكوك واحداً ، كما في طهارة الثوب ، فلو تغيّر الموضوع أي صار الثوب تراباً مثلاً فلا يصحّ إطلاق كلمة (النقض) في هكذا حالة .
إنما الكلام فيما إذا تغيّر الموضوعُ بأحد شروطه مع احتمال بقائه شرعاً ، فهل نبني على بقائه شرعاً بالإستصحاب ، كي نستصحبَ بقاءَ حكمه أم لا ؟ هذا هو موضوع حديثـنا هنا .
*الأقوال والأوجه في المسألة :
في المسألةِ عدّةُ أقوالٍ وأوجهٍ ، وسنبدأ بالوجهين الأوّلين للخصم ، ثم نذكر الوجوهَ الأربعة التي نراها صحيحة :
* الوجه الأوّل : قد تقول : نستصحب بقاء الحكم الفعلي ـ كأنْ نستصحبَ الحرمةَ الفعليّة لوطءِ الحائض التي نَقَتْ ـ كما يقول سيدنا الشهيد[٧٧١]!! وكذا لو تغيّر الماءُ الكرّ بأوصاف النجاسة ثم أزلنا أوصافَ النجاسة بالدقّة ، حتى صار نقيّاً صالحاً للشرب ، فقد تـقول أيضاً بلزوم استصحاب النجاسة ـ كَحُكمٍ ـ .
ويقول السيد الشهيد أيضاً في (بحوث في علم الأصول) [٧٧٢] : " إ نّا حين نأخذُ بالصياغة الأولى لهذا الركن الثالث نلاحظُ أنّ موضوع الحكم عبارةٌ عن مجموع ما أُخِذ مفروضَ الوجود في مقام جعله
[٧٧١] الحلقة الثالثة من حلقات علم الاُصول لسيّدنا الشهيد رحمه الله ج ٤ ص ١٠٦ من طبعة المؤلّف / بحثُهُ في الركن الثالث من أركان الإستصحاب عند قوله "غير أنّ استصحاب الحكم في الشبهات الحكميّة لا يجري بلحاظ عالم الجعل ، بل بلحاظ عالم المجعول ، فينظر إلى الحكمبما هو صفة للأمر الخارجي لكي يكون له حدوث وبقاء" .
[٧٧٢] ج ٣ ص ١١٦ ـ ١١٧ . أقول : لم يوضّح اُستاذنا السيد محمود الهاشمي رحمه الله هنا أنّ المراد استصحابه عند السيد الشهيد هل هو الموضوع أم الحكم !!فكان يعبّر بتعابـير عامّة غامضة من قبـيل : ".. واِنما معناه شرطية احتمال بقاء المتيقن ، فكلَّما احتملنا بقاء نفس المتيقن صدق حرمة نقض اليقين بالشك .." (إنـتهى) . أقول : ماذا تقصد بـ (المتيقّن) هل هو الموضوع أم الحكم ؟! نعم ، سياقُ الحديث يؤيّد أنّ مقصوده هو الحكم وليس الموضوع .