دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٧٠ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
رابعاً : إنّ الإستصحاب ـ كما في الأدلّة ـ يفيدنا بقاءَ موضوع جواز تقليد المرجع الميّت وبالتالي جواز البقاء على تقليده ، وإلاّ كان أصلاً مثبتاً ، فإنّ إثبات بقاءِ وجود موضوع جواز تقليد المرجع الميّت ليس أثراً شرعياً منجّزاً ، وإنما هو حكم شرعي ظاهري كبروي ، ولذلك يجب أن نرجع إلى أصالة عدمِ جواز تقليده .
وبتعبـيرٍ آخر ، لا يمكن لك أن تُجري الإستصحابَ في الشبهات الحكمية لأنك إنْ أردتَ استصحابَ الحكم فلا أثرَ شرعيَّ منجَّزاً له ، وذلك كما لو فرضتَ أنّ المرجع إذا مات فهل لك أن تستصحب جوازَ البقاء على تقليده أو لا ؟ فالجواب : طبعاً لا يصحّ هذا الإستصحاب ، لأنك إنما تريد أن تُـثْبِتَ من خلال استصحاب بقاء موضوع الحكمِ (جوازَ البقاء على تقليده) وهذا ليس أثراً شرعياً منجَّزاً ، لأنه فرضيّ وغيرُ منجَّز ، والأثرُ الشرعي يجب أن يكون منجَّزاً عقلاً وبالإجماع ، ولا يصحّ أن يكون افتراضياً وهْمِيّاً ، ولذلك لك أن تقول بأنّ هذا الإستصحاب هو أصلٌ مثبتٌ أيضاً ، لأنّ إثبات (جواز البقاء على تقليد المرجع حتى على فرض موته) هو حكم شرعي ظاهري كبروي ، وهو بما أنه ليس أثراً شرعياً منجَّزاً فيجب أن نقول بأنه حكم شرعيّ ظاهريّ ادّعائي ، ولذلك كان هذا الإستصحاب أصلاً مثُبِتاً لهذا الحكم الشرعي الظاهري الإدّعائي الفرضي .
ولذلك وبعد عدم جريان الإستصحاب في الشبهات الحكميةيجب أن نرجع إلى الأصول العملية الفوقانية ، ففي مثل موت المرجع نرجعُ إلى العموم الفوقاني وهو عدم جواز تقليد الميّت ، وفي مثل زوال النجاسة عن الجسم نرجع إلى أصالة عدم النجاسة ، وفي مثل وطء الزوجة الحائض التي نقت ولم تغتسل نرجع إلى أصالة عدم حرمة الوطء ... وهكذا .
نعم ، إن شككنا في تغيّر الموضوعِ عرفاً فلا شكّ في جريان استصحاب بقائه ، فالمسألةُ إذن عرفيةٌ .
فإن قلتَ : إنّ أدلّة البراءة تُفيدنا براءةَ الذمّة ، وهو ليس أثراً شرعياً منجَّزاً ، لأنه حُكْمٌ فرضيّ كبرويّ ، فليست إذَنْ براءةُ الذمّة أثراً شرعياً منجزاً ، فكيف يصحّ أن تَجري البراءةُ مع أنها لا تفيدنا أثراً شرعياً منجَّزاً ولا يصحّ أن يَجريَ الإستصحابُ إن لم يُفِدْنا أثراً شرعياً منجَّزاً ؟!
قلتُ : البراءةُ أفادَتـنا عدمَ ثبوت الحكم الشرعي علينا ، ولم تُفِدْنا ثبوتَه ، بتعبـيرٍ آخر : البراءةُ وسائر الأصول المؤمِّنة تـنفي ولا تـُثْبِتُ ، لأنها تفيدنا براءةَ الذمّة وعدمَ التـنجيز علينا فقط ، أمّا استصحابُ بقاء موضوع الحكم الشرعي فهو يريد أن يفيدنا ثبوتَ بقاء موضوع الحكم الشرعي ، وهو أمرٌ وجوديّ ، فبالتالي يكون هذا الإستصحابُ أصلاً مُثْبِتاً ، لأنه يريد إفادةَ ثبوتِ عنوان وجودي كبرويّ ، وهو إثبات (بقاءِ موضوع جواز تقليد المرجع إنْ مات) ، وقد لا يكون المرجعُ قد مات ، ونـتيجة هذا