دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٦٩ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
ولبـيان هذا الأمر أكثر نقول : لا يمكن القول بصحّة جريان استصحاب الحكم في الشبهة الحكمية للأمور التالية :
أوّلاً : إنّ أدلّة الإستصحاب ـ كما قلنا ـ عقلائيةٌ ـ على ما عرفتَ مراراً من قوله t فإنه على يقينٍ من وضوئه ـ وعند تغيّرِ الموضوعِ عرفاً ـ كما في موت المرجع ونـقاء الماء من القذارة ونـقاء الحائض ـ يكون جريانُ استصحاب بقاء موضوع الحكمِ غيرَ عقلائي ، والجريانُ العقلائي إنما يكون في خصوص الشبهات الموضوعية ، لذلك ترى كلّ روايات الإستصحاب ناظرةً بوضوح إلى خصوص الشبهات الموضوعية .
ثانياً : إنّ استصحابَ بقاء الحكم في الأمثلة الثلاثة الأخيرة رغم وضوح التغيّر فيها هو قياس .
ثالثاً : لا يمكن ادّعاءُ الإطلاق للشبهات الحكمية أيضاً ، وذلك لِتَغيُّرِ بعضِ قيود موضوع الحكم ، ولذلك يكون إجراءُ الإستصحاب في الشبهات الحكمية من باب إعطاء الحكم في الشبهة المصداقية ، لأنه لم يُعلم بقاءُ نفس موضوع الحكم فيها ، ولا يمكنُ ادّعاءُ شمولِ أدلّة الإستصحاب لهذه الشبهة المصداقية ، لأنّ الإستصحاب يحتاج إلى بقاء وَحدةِ الموضوع ولو عرفاً وهذا غيرُ متيقّن الوجود في الشبهات الحكمية . مَثَلُها كمَثَلِ ما لو قال لك المولى "أكرمِ العالِمَ" وشككتَ في عالمية زيد ، ففي هكذا شبهةٍ مصداقية لا يمكن القولُ بوجوب إكرام زيد . وهذا مغايِرٌ لمثال الشكّ في تغيُّر الماهية الكلبـية إلى ماهية أخرى ، فإنّ العقلاء يرَون أنّ ما يشاهدونه من عظام بالية ورفات مهترئة هي امتداد موضوعي للكلب السابق الوجود ، لذلك تراهم يستصحبون الماهيةَ الكلبـيّة ويـَبنون على النجاسة . وبعبارة أخرى ، لو شككنا في بقاء عنوان المَيتة على الحيوان الذي مات قبل أكثر من سنة والذي صارت عظامُه باليةً ، فالعقلاء يستصحبون بقاءَ عنوان الميتة فيحكمون ببقاء نجاسته ، والسببُ في ذلك وحدةُ الموضوع عرفاً ، وكذا لو شككنا في أنـنا صلّينا ثلاثَ ركعات أو أربعةً ، فإنّ لنا أن نستصحب عدمَ الإتيان بالرابعة ، وهو أصالة العدم الأزلي المعروفة ، وفي مثل ما لو شككنا في طروء النجاسة على الثوب فإنّ لنا أن نستصحب عدمَ طروئها ، أيضاً لأصالة العدم الأزلي .
أمّا في مثل موت المرجع فأنت هل تعلم ببقاء موضوع الحكم ولو عرفاً ؟!
والفرق بين مثال الميتة ومثال المرجع هو أنّ قضية الحكم في الأوّل هو (الميتة نجسة) فالموضوع بسيط ، والقضية حملية ، وأمّا في مثال المرجع فالقضية شرطية وهي هكذا (إذا كان المرجع متّصفاً بصفات معيّنة جاز تقليده) ، ونحن نشكّ بعد موته في وجود شرط تقليده ، والإستصحابُ لا يُثبِتُ وجودَ شروط القضية الشرطية .