دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٦١ - (١) أمّا الركن الأوّل وهو ثبوت الحالة السابقة بدليل شرعي
*ثم اعلمْ أنّ كلّ قطع موضوعي شرعي ظاهرٍٍ في الصفتيّة هو في الواقع قطعٌ طريقي ، وذلك لكاشفيّة قيام الأمارة والأصلِ مقام القطع الموضوعي عن كونه طريقياً ، وإلاّ فلو قلنا بأنه صفتي ، ثم تـنزَّل الشارعُ المقدّسُ فقال بقيام الأمارة والأصل مقامَ القطع الصفتي ، فصار بحكم الطريقي ، فهو تطويل للمسافة ولَغْوٌ محض ، سبحانه وتعالى عمّا يقولون .
فإن قلتَ : لكنْ يوجدُ في مواردَ نادرةٍ في فروع الدينِ قطعٌ صفتيٌّ لا تقوم الأماراتُ مقامَه ـ كما هو الحال في القطوعات العقائدية والأمور الحسابـية والقضايا التاريخية ـ ففي هكذا مورد لا يكون هذا القطع الصفتي طريقياً ، وذلك كما في لزوم الإعتماد على العقل والقطع العقلي الصفتي في تقليد المجتهد ، فإنه لا يصحّ ـ عند العامّي ـ قيامُ البَـيّنة مقامَ القطع الصفتي ، وذلك لأنّ المفروض أنّه في هذه المرحلة ـ وهي الخطوة الأولى على طريق الإلتزام بشريعة الله تعالى ـ هو لا يؤمن بالشريعة الإسلامية ، فكيف يؤمن بحجيّة البَـيّنة وخبر الثقة ؟! نعم ، بعد تقليده للمرجع ـ بناءً على حُكْمِ العقلِ برجوع الجاهل إلى العالم ـ عليه أن يَسأل المرجعَ : هل يجوز الرجوعُ إلى خبر الثقة أو البـيّنة في الموضوعات أم لا . نعم ، لعلّه لا يوجَدُ موردٌ آخر غيرُ المورد المذكور .
قلتُ : هذا غير صحيح ، فإنّ القطع المذكور ليس وارداً من الشرع ، إنما هو قطع عقليّ محض ، ولذلك لا يكون القطع المذكور صفتياً ، لأنه غير مذكور في الشرع أصلاً .
* ثم بناءً على كون الركن الأوّل هو مجرّدُ ثبوت الحالة السابقة بدليل شرعي يصحّ التعبـير بالنقض ، وذلك لحجيّة الدليل الشرعي على ثبوت الحالة السابقة ، فليس للإنسان أن ينقض ما هو ثابت بدليل شرعي ، فمثلاً : حينما يقول لك المولى "الخمرُ حرام" وجاءك خبرُ ثقةٍ مأمونٍ حجّةٌ شرعاً وأخبرك أنّ هذا السائلَ خمرٌ ، فليس لك أن تـنقض قولَه وتشربَ من هذا السائل ، بعد ثبوته لك بواسطة خبر الثقة أنه خمر ، وكذا الأمر تماماً في الإستصحاب .
*وما عرفـتَه من قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الصفتي المأخوذ في الإستصحاب يجري تماماً في قاعدة الطهارة فإنها أيضاً تقوم ـ عند كلّ المـتـشرّعة ـ مقامَ العلم المأخوذ في الإستصحاب ، تلاحظُ ذلك من موثّقة عمّار المشهورة كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك فإنك تراها تـنزّل مشكوكَ الطهارة منزلةَ معلوم الطهارة ، ولذلك يرى المتشرّعةُ إقامةَ