دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٠٦ - ٥ ـ الشكّ في اِطلاق دخالة الجزء أو الشرط
أن تقول : يحكم العقلُ بوجوب الإتيان بالمركّب الكامل إن أمكن الإتيانُ به ضِمن وقت الفريضة ، وذلك مثلُ صلاة التمام والقصر ، فلو أراد شخصٌ أن يقيم في مدينةٍ أجنبـية سنةً واحدة مثلاً ـ للدراسة أو للعمل مثلاً ـ وشككنا ـ بعد إقامته فيها يوماً واحداً ـ في صِدْقِ أنه مسافر أو أنّ مكانه هو مقرّ وهو بحكم الوطن ؟ ففي هكذا حالة عليه أن يَرجع إلى الأصل الأوّلي وهي صلاة التمام حتى يَثبُتَ أنه مسافرٌ شرعاً ، وهذا هو مراد علمائـنا من قولهم بلزوم الرجوع إلى العمومات الفوقانيّة ـ أي المطلوب الشرعي الأوّلي ـ عند الشكّ .
وفي الحالة الثانية ـ وهي محلُّ بحثـِنا ـ : كما لو تعذّرت عليه الطهارةُ المعنوية ضِمن كلّ الوقت ـ كالمحبوسين في الأماكن النجسة ـ لكن أمكنـته الطهارةُ بعد فوات وقت الفريضة ، فقد يتردّد المكلّفُ بين وجوب الإتيان بالصلاة أداءً بغير طهارة في الوقت ، وبين سقوط الصلاة أداءً وقضاءً ، وبين وجوب القضاء فقط ، بعدما يرتـفع العذرُ وبعد إمكانِ الإتيان بالطهارة المعنوية بعد خروج وقت الفريضة ـ إذا كان للواجب قضاءٌ ـ .
الصحيح هو عدم وجوب الصلاة ضِمن الوقت ، لما ذكرناه قبل أسطر من عدم صحّة الصلاة من غير طهارة تمسكاً بإطلاق دليل الطهارة[٧٢٢] ، وفي وجوب القضاء كلامٌ ، فقد قال الشيخ المفيد والعلاّمة الحلّي بعدم وجوب الأداء والقضاء خارج الوقت[٧٢٣] ، وقال الإمام الخميني بسقوط الأداء وأمّا القضاء فقال بأنّ ثبوته مبنيّ على الإحتياط[٧٢٤]. وسقوطُ الأداء هو المشهور[٧٢٥]. لكن في وجوب
[٧٢٢] كما يقول ابن إدريس في السرائر ج ١ ص ١٣٩ و ٣٥٣ ولكنه يقول "وجب عليه قضاؤها" .
[٧٢٣] نفس المصدر ص٣٥٣ . وقال المحقّق الحلّي في المعتبر ج ١ ص ٣٧٩ : "فاقد الطهارتين يؤخر الصلاة ، وهو مذهب الشيخين في المقنعة والخلاف ، وقال في المبسوط إمّا أن يؤخر أو يصلي ويعيد ، لأنه صلى بغير طهارة ولا تيمم . دليلنا قوله (ع) "لا صلاة إلا بطهور" وحقيقته نفي الصلاة فلا تـتحقق من دونه" . وقال في ج ٢ ص ٤٠٥ : "فاقد الطهارتين تسقط عنه الصلاة ، لقوله (ع) (لا صلاة إلا بطهور) ، وفي وجوب القضاء قولان : أحدُهما الوجوبُ وبه قال الشيخ وعلم الهدى ، والآخرُ السقوطُ وهو أحد قولَي الشيخ والمفيد وهو أشبه ، لأنها صلاة سقط وجوبها في وقتها ، فلا تجب بعد خروجه ، ولأن القضاء تكليف مبتدأ يتوقف على دلالة الشرع ، وحيث لا دلالة فلا قضاء" (إنـتهى) .
ومثلَه قال العلاّمة الحلّي ، قال : "مسألة ٣٠٣ : اِختلف علماؤنا في فاقد المطهرين ، فقال بعضهم : يصلي ويعيد اختاره الشيخ في المبسوط ، وقال آخرون : تسقط أداءً وقضاءً وهو المعتمَد ، دليلُنا : أنّ الأداء ساقط فكذا القضاء ، والملازمةُ للتبعية ، وصِدْقُ المُقَدَّمِ لقوله (ع) "لا صلاة إلا بطهور" ولأنها صلاة غير مأمور بها مع الحدث في وقتها فيسقط قضاؤه كالحائض" (إنـتهى) .
[٧٢٤] حاشية العروة الوثقى ج ١ في بـيان ما يصحّ التيمّم به ص ٤٨٧ .
[٧٢٥]قال السيد محسن الحكيم : (بل عن جامع المقاصد : أنه ظاهر مذهب أصحابنا ، وفي المدارك : "أنه مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفاً صريحاً" ، بل عن الروض : "لا نعلم فيه مخالفاً" ، للعجز عن أداء الواجب الناشئ من العجز عن شرطه . والمنعُ من الشرطية في هذه الحال خلافُ إطلاقِ أدلتها ، وخبرُ "الصلاة لا تسقط بحال" لم يتحقق يصح الإعتماد عليه في المقام . نعم في صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) الوارد في النفساء حيث قال (ع) فيه : "ولا تدع الصلاة على حالٍ فإنّ النبيّ (ص) قال : الصلاةُ عِمادُ دِينِكم" ودلالتُه على ما نحن فيه غيرُ ظاهرة ، لاختصاص الفقرة الأولى بموردها ، والتعليلُ ليس وارداً في مقام التشريع ، بل في مقام التأكيد والحثّ على فِعل المشروع ، فلا يصلح للتأسيس . وقاعدةُ الميسور قد تقدم مراراً أنه لا دليل عليها يجب العمل به . وثبوتُها بالإجماع أو النص في سائر موارد تعذُّرِ الجزء أو الشرط لا يقتضي ثبوتَها هنا ، ولا سيما وكونُ خِلافِها هنا مظنّةُ الإجماع ، وهذا هو الفارق بين المقام وسائر موارد تعذر الجزء أو الشرط ، لا ما قيل من أنّ لسان دليل الشرطية في المقام شامل لصورتي الإختيار والإضطرار ، بخلاف سائر الموارد ، فإنّ لسانَ دليله الأمرُ به ، وهو مختص بحكم العقل بصورة الإمكان . إذ فيه : أنّ الأمر في أمثال المقام إما إرشادي إلى الجزئية أو الشرطية أو مولوي دال بالإلتزام عليها ، والأول : لا اختصاص له بحال دون حال ، والثاني : وإن كان مختصّاً بحال الإختيار إلا أنّ مدلوله الإلتـزامي غيرُ مختصٍّ فيجب العملُ به ، والتفكيك بين المدلول المطابقي والالتزامي في الحجية وعدمها غير عزيز . ومما ذكرنا يظهر ما فيما نسب إلى المبسوط والنهاية من وجوب الأداء والقضاء ، وحُكِيَ عن الشافعي وغيره من المخالفين . وما نسب إلى جد السيد من وجوب الأول فقط . مع أن النسبة إلى الجميع محل تأمل فلاحظ . نعم لو فُرِضَ طروءُ الفقدانِ في الوقت أو قبله بناء على ثبوت الوجوب قبله أمكن الرجوع إلى استصحاب وجوب ذات الصلاة الثابت قبل طروء الفقدان ، اللهم إلا أن يقال : إطلاقُ دليلِ الشرطية رافعٌ لاحتمال الوجوب ومُوجِبٌ للعلم باشتراط جميع مراتب الصلاة بالطهارة) (إنـتهى ما عن مستمسك العروة الوثقى) .
وقال السيد في العروة بوجوب القضاء وعلّق السيد محسن الحكيم في مستمسكه عليه قائلاً : "كما عن المشهور ، لعموم ما دل على قضاء ما فات ، إذ يكفي في صدق الفوت وجودُ الملاك في الفعل بلا مزاحم ، وهو في المقام حاصلٌ كذلك . ولا مجال للنقض في مثل الحائض ونحوها ، لإمكان كون ذلك من باب التخصيص لدليل مفقود في المقام . ومنه يظهر ما في الشرائع ، وعن الجامع والعلامة ـ في جملة من كتبه ـ والكركي وغيرهم من أصحابنا ، وحُكِيَ عن مالك من سقوط الأداء والقضاء معاً . لكن اختار في المنـتهى سقوطَ الأداء ووجوبَ القضاء ـ كما في المتن ـ ونسبه إلى أبي حنيفة والثوري والأوزاعي . فالأقوال في المسألة أربعة : سقوط الأداء والقضاء ، ووجوبهما ، وسقوط الأول دون الثاني ، وثبوت الأول دون الثاني" (إنـتهى ما في المستمسك ج ٣٨١ ـ ٣٨٣) .
أقول : لم يثبت وجوبُ تحصيل الملاك الفائت في هكذا حالةٍ بعد عدم ثبوت أصل وجوب الأداء فلو كان هذا هو دليلهم فيجب أن نُجريَ البراءةَ ، لكن مع ذلك فـنحن نحتاط وجوباً في القضاء وذلك لما رواه في ئل ٣ باب إستحباب تعجيل قضاء ما فات نهاراً ولو بالليل ، وكذا ما فات ليلاً تحت رقم ٥٧ من أبواب المواقيت ح ١ ص ١٩٩ عن التهذيـبين بإسناده ـ الصحيح ـ عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة (ثقة له كتاب) عن زرارةَ عن أبي جعفر (ع) أنه سُئِل عن رجلٍ صَلَّى بغير طهور أو نَسِيَ صلواتٍ لم يُصَلِّها أو نام عنها ؟ فقال : يقضيها إذا ذكرها في أيِّ ساعةٍ ذَكَرَها من ليل أو نهار .. ورواها الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبـيه عن ابن أبي عمير مثله ، وهي صحيحة السند ، فإنّ عدم استفصالِ الإمام (ع) من السائل ـ الذي سأل عن رجلٍ صَلَّى بغير طهور ـ هل أنه صلّى بغير طهور لأنه كان فاقداً للطهورين أو أنه صلّى بغير طهورٍ عن نسيان أو جهل قد يوجبُ علينا التمسّكَ بإطلاق كلام الإمام والقولَ بوجوب القضاء مطلقاً ، على أنـنا لا نرى فرقاً بين نسيان الصلاة ووجوب قضائها ، أو بين ترك الصلاة لسبب النوم ووجوب قضائها وبين ترك الصلاة لفقدان الطهورين ووجوب قضائها إن لم نقل بأنّ وجوب قضاء ما فاته بسبب فقدان الطهورَين أَولى من وجوب قضائها بسبب النسيان أو النوم ، بمعنى أنه لو قيل لا يجب القضاءُ بسبب النسيان أو النوم لكان سهلاً وذلك كمَن أكل سهواً وهو صائم ، فقد يقول العقلاء بأنه نسي الصلاة أو نام عنها فهو بذلك لم يكن مكلّفاً كالمغمى عليه أو الذي جنّ اللذَين أجمعت الأمّة على عدم وجوب قضاء ما فاتهما من صلاةٍ فات وقتُها ، أمّا أن يقال بعدم وجوب القضاء بسبب فقدان الطهورين فأمرٌ عجيبٌ خاصةً إذا طالت مدّةُ فقدانِه للطهورَين كما لو كان في سجنٍ أرضُه متـنجّسةٌ ولا يصحّ التيمّمُ فيه وبقي مسجوناً فيه لسنوات عديدة ، ولعلّه لكلّ ما مرّ اشتهر وجوبُ القضاء عند فقهائنا ـ ولو من باب الإحتياط ـ . لكن ـ مع ذلك ـ لا يمكن الجزمُ بوجوب القضاء لأنّ قول السائل ".. عن رجلٍ صَلَّى بغير طهور" ينصرف إلى المتعارف وهو الناسي عادةً ، لا إلى غير المتعارف وهو فاقد الطهورين ، والقياس بالناسي والنائم باطل .