دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٨٥ - التـنبـيه الثالث
الحقيقةِ فإنَّ مرجعَ الشكّ هنا إنما هو في عالَم الجعل ، فنحن نشكّ هل أنّ إكرامَ العالِمِ ذو ملاك إلزامي أم لا ، فالشكّ إذن هو في ثبوت ملاك الحكم ـ الذي هو موضوع الحكم حقيقةً وعِلّتُه ـ ولم يَثبُت وجودُه بدليل شرعي ، إذن فتجري البراءةُ الظاهرية . وبتعبـيرٍ آخر : لك أن تقول : موضوع الحكم هو ملاكه وعِلَّته وهو مشكوك الثبوت واقعاً فتجري البراءةُ .
ومَن يتأمّلُ فيما نقوله يعرفُ أنّ ما قلناه هنا وما قلناه قبل قليل من مثال "أكرِمْ علماءَ الحوزةِ" وشككنا في كون زيد من علماء الحوزة ، هما من باب واحد تماماً ، لأنّ الشكّ في كلتا الحالتين ناشئ من الشكّ في وجود موضوع الحكم .
وكذا لو كان الشكّ في تحقّق الشرائط العامّة للتكليف ـ كالبلوغ والعقل والقدرة ـ أو الشرائط الخاصّة ـ كدخول وقت الفريضة والإستطاعة إلى الحجّ ـ فلا شكّ في جريان البراءة أيضاً ـ طبعاً إن لم يجرِ الإستصحاب لسببٍ ما ـ لأنّ الشكّ في تحقّق شرائط فعلية الحكم يُنـتجُ الشكَّ في ثبوت الحكم في عهدة المكلّف .
هذا ، ولكن قال الشهيد السيد الصدر: "إنّ العبرة في جريان البراءة وعدمه سواءً كان الشكّ من ناحية المتعلَّق أو من ناحية الموضوع أو من ناحية القيود إنّما هي بكون الحكم بنحو البدليّة أو الشموليّة ، فإن كان بنحو الشموليّة ـ مثل (العالِم) في "اَكرمِ العالِمَ" ـ وحصل الشكّ ـ في عالمية زيد ـ كان المرجع البراءة ـ من وجوب إكرام زيد ـ ، وإن كان بنحو البدليّة ـ وهو (الإكرام) في نفس مثال "أَكْرِمِ العالِمَ" ـ وحصل الشك ـ في كون التحيّةِ إكراماً ـ كان المرجعُ الإشتغالَ ، بلا فرق في ذلك بين باب الأوامر وباب النواهي ، وبلا فرق بين فرض ذلك الحكم الشموليّ انحلاليّاً أو حُكْماً واحداً [٧٠٩]. والسرُّ في ذلك أنّ الحكم إذا كان بنحو البدليّة فالشكّ ليس في سعة دائرة التحريك المولويّ وضيقها حتى تجري البراءة ، وإنما الشكّ هو في تحقيق المطلوب أو لا ، فيكون المرجع هو الإشتغال ، وأمّا إذا كان شموليّاً فالشكّ يقع في سعة دائرة التحريك المولويّ وضيقها فتجري البراءة الشرعيّة عن الزائد المشكوك ، وكذا تَجري البراءةُ العقليّة بناءً على الإيمان بها ، بلا فرق بين فرض الحكم انحلاليّاً فيكون الشكّ في تكليف آخر غيرِ التكليف المعلوم ،
[٧٠٩] الحكم الشموليّ الإنحلالي هو نحو "أكرم العلماء" و "لا تظلم" و "لا تسرق" وشككنا في كون أخْذِ الزوجةِ مقدارَ نفقتِها سِرّاً مِن جيب زوجها سرقةً أو لا ، وقد يكون الحكم الشموليّ حُكْماً واحداً ـ لا انحلالياً ـ وذلك مثلُ قولِك لصديقك في جبهة القتال "لا تـتكلّمْ هنا فإنّ الأعداء يسمعوننا" فإنّ أيّ تكلُّم وبنحو الشمول منهيّ عنه ، لكنه لو تكلّم وعَلِمَ بكم الأعداءُ فإنّ الكلام الثاني والثالث صار جائزاً ، ومثلُها قولُ الشارع المقدّس "لا تتكلّم في الصلاة" فإنّ أيّ كلمة في الصلاةِ منهيٌّ عنها ، لكنّ الحكمَ هنا هو حُكْمٌ واحدٌ ولذلك لو تكلّمت عمداً فقد بطلت صلاتُك وصار الكلام الثاني والثالث جائزاً .