دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٨٢ - التـنبـيه الثالث
التكليف على المكلف ، ويحكم العقل بلزوم الإجتـناب عن الأفراد المشكوكة كحكمه بلزوم الإجتـناب عن المصاديق المعلومة لأنّ قولَ الشارع المقدّس (شربُ الخمرِ حرامٌ) يفيدنا مبغوضيةَ شرب الخمر الواقعي ، ولذلك يحكمُ العقلُ بلزوم اجتـناب ما يُحتمَلُ كونُه خمراً .
ومثالُ ذلك في الشبهة الحكمية ما لو شككنا في قابلية الحيوان للتذكية ورغم ذلك ذبحناه على الطريقة الشرعية ـ من فري الأوداج بالحديد على القبلة مع التسمية ـ فهل تجري فيه قاعدةُ الحِلّ والطهارة أم لا ، فإنّ قابلية الحيوان للتذكية ليس لها حالةٌ سابقه وجوداً وعدماً ، فلا موقع لاستصحاب عدمها ؟ فإنه يُحتمَل أن يكون المرجَعُ ـ عند الشك في القابلية ـ قاعدةَ الحِلّ والطهارة وذلك لقولنا بجريان قاعدة الحِلّ في الشبهات الحكمية ، ويُحتمَل جريانُ أصالة عدم التذكية ، لاستصحاب العدم الأزلي ، فإنّ المفروض أن التذكية عبارة عن الأمر البسيط المتحصِّل مِن فِعْلِ المذكّي وقابليةِ المحلّ للتذكية ، وهذا المعنى البسيط كان مقطوعَ العدمِ في حال حياة الحيوان قبل ورود فعل المذكِّي عليه ، وبعد ورود فِعْلِ المذكِّي يُشَكُّ في حصول التذكية فيُستصحَبُ عدمُها الإستصحابَ العقلائي . ولا شكّ في تقدُّم قاعدة الحِلّ على استصحاب عدم التذكية لأنها أخصّ من الإستصحاب ، ولو قدّمنا استصحابَ العدم الأزلي لالتغَى موردُ قاعدةِ الحِلّ تماماً .
والجواب على المثال الأوّل يوجب علينا ذِكْرَ المقدّمةِ التالية :
صحيحٌ أنّ الشكّ في كون المائع الفلاني الخارجي هو شكّ موضوعي خارجي جزئي ، لكنْ من جهة أخرى الشكُّ في جواز شرب المائع المشكوك الخمرية هو شكّ في الحكم الشرعي الكلّي ، بمعنى أننا نشكّ هل يجوز شربُ المائع المشكوك الخمرية أم لا يجوز ؟ فهو سؤال عام يشمل هذا المائع المشكوك وكلّ مائع مشكوك .
ثم بعد هذا نقول : اِنّ النهي عن شرب الخمر ـ في مثالهم الأوّل ـ إنما يفيدنا حرمةَ شرب الخمر المعلوم الخمرية ، تـفصيلاً أو إجمالاً ، ولا يفيدنا حرمةَ شرب الخمر الواقعي ، بدليل أننا مكلّفون بما نعلم ، ولسنا مكلّفين بما لا نعلم ، فمع الجهل واحتمالِ الخمريّة لا شكّ في جريان أصالة الحِلّيّة الشرعيّة في هذه الشبهة الموضوعية التحريميّة بدليل أدلّة الحليّة الشرعية .
بـيان ذلك : قال الله تعالى [لا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً إلاّ ما آتاها] [٧٠٥] أي إلاّ بما أعلمَها ، أي بالصغرى والكبرى ، والمفروض أنـنا لا نعلم بخمريّة هذا المائع الخارجي المعيّن ـ كما في المثال الأوّل ـ ، فنحن إذن غيرُ مكلّفين إذا شربنا المائعَ المردّد بنحو الشبهة البدويّة بين الخمر والخلّ ، ومثلُها قولُه تعالى [وَمَا كَانَ
[٧٠٥] سورة الطلاق ـ ٧ .