دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣٨ - البراءة في الكتاب الكريم
٣ ـ قوله تعالى [وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُـبَـيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّـقُونَ ، إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [٦٤٣]، وأنت تعلم أنّ الإضلال هو من أعظم أنواع التعذيب على الإطلاق ، إذ به يخلَّد الإنسانُ في النار ... المهم ما نريد أن نقوله هو أنّ المراد من هذه الآية المباركة هو "ما كان اللهُ ليسلبَ منهم الهدايةَ ويضلَّهم بَعْدَ أنْ مَنّ عليهم بالهداية حتى يُـبَـيِّنَ لهم ما يتّقونه ، فإذا بَـيَّن لهم وخالفوه فح يُضِلُّهم" ، وهي تفيد البراءةَ وعدمَ وجوب الإحتياط .
لكن هذه الآية تـفيدنا في الشبهات الموضوعية أيضاً ، وليس فقط في الشبهات الحكمية ـ أي بخلاف الآية السابقة ـ لأنّ الله تعالى قد كشف الغطاء عن حقيقة هذا الموضوع الخارجي ـ الذي أمامنا وأنه خمر مثلاً ـ للملائكة وللمعصومين وللأموات ، قيل وللحيوانات والطيور والحشرات أيضاً كهدهد سليمان ونملته ، ولم يكشفه لنا ، فإذن لنا أن نجري البراءةَ المستكشفة من هذه الآية لنقول لا يضلُّنا اللهُ تعالى فيما لو شربنا هذا المائع الذي أمامنا الذي اشتريناه من دكّان الكافر الذي يدّعي أنه خلّ ، وأنا أحتمل أن يكون نسبةٌ منه خمراً ، فالله تعالى لم يُـبَـيِّن لنا أنه خمر ، فلنا أن نجري هذه الآيةَ المباركة في هذا المائع .
وأيضاً : هذه الآية المباركة تـفيدنا في الشبهات الوجوبـية ، وذلك بأن نقول : إنّ الله لا يعذّبُنا على ترك الأذان والقنوت وجلسة الإستراحة حتى يُـبَـيِّن لنا وجوبَ ذلك ، فلو بَـيَّن لنا اللهُ جلّ وعلا أنّ علينا أن نـتقِيَ الصلاة الناقصة الفلانية لفَعَلْنا ، ولكنه لم يُـبَـيِّن لنا ذلك .
ثم إنه لا شكّ في أنّ جواز إجراء البراءة في الشبهات التحريمية أشدُّ خطورةً من جواز إجراء البراءة في الشبهات الوجوبـية ، فلو جاز إجراؤها في الشبهات التحريمية ـ التي يكون في ارتكابها مفسدة ـ لجاز بطريق اَولى إجراؤها في الشبهات الوجوبـية ـ التي مجالُها جلْبُ المصلحة ـ ، وذلك لأنّ دفْع المفسدةِ اَولى من جلب المصلحة ، ودفْعُ قتْلِ فلان ـ كالإنقاذ ـ اَولى من أن نولّد ولداً فيه نفس فوائد الغريق .
ولك أن تستـفيد أيضاً من هذه الآية صحّةَ إجراء البراءة من القيود الزائدة المحتملة ، وذلك بأن تقول : إنـني لا أدري بتقيُّدِ المركَّب ـ كالصلاة ـ بالسورة أم لا ، فلَمْ يُـبَـيِّن لي اللهُ جلّ وعلا أن نـتقي ترك القيد الفلاني ، أي لم يَقُلْ لنا اللهُ جلّ وعلا : إتّقِ الصلاةَ الناقصة بترك جلسة الإستراحة فيها ...
[٦٤٣] قال الله تعالى [مَا كَانَ لِلنَّبي وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَوَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَـيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبـيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍوَعَدَهَا إِيَّاهُ ، فَلَمَّا تَبَـيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُـبَـيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ، إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ يُحْييوَيُمِيتُ ،وَمَا لَكُم مِّن دُونِاللهِ مِنوَلِيٍّوَلاَنَصِيرٍ (١١٦) ] سورة التوبة .