دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣٧ - البراءة في الكتاب الكريم
والنـتيجةُ هي أنّ هذه الآيةَ غيرُ ناظرةٍ إلى عِلّة رفْعِ العذاب ، واللهُ العالِم .
والخامسة : هل تجري البراءةُ المستـنبَطةُ مِن هذه الآية في الشبهات المفهوميةوالمصداقية ؟ بمعنى لو حصل عندنا شكٌّ في معنى [تَخْضَعْنَ] مِن قوله تعالى [يَا نِسَاءَ النبيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ، إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌوَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً] [٦٤٢] ـ وهو المراد من الشبهة المفهومية ـ أو حصل عندنا شكٌّ في انطباق الغَنج الفلاني والميوعة الفلانية على الخضوع بالقول ـ بعد وضوح معنى ومفهوم الخضوع بالقول ـ وهو المسمّى بالشبهة المصداقية ، فهل تجري البراءةُ في كلتا الحالتين أم ماذا ؟
الصحيح هو أنه إن كانت الشبهة مفهوميةً فليس ينبغي أن نَرجع إلى البراءة ، وذلك لأنّ اللهَ تعالى قد بَعَثَ رسولاً وكان يكلّم الناسَ بلسانهم ، لكنِ المشكلةُ مِن عندنا نحن اليوم ، فنحن اليومَ لا نعرف معنى هذه الكلمة ، وليست المشكلةُ هي من عند الرسول ، فلا ينبغي أن نُجريَ البراءةَ في موضع الشك في الشبهة المفهومية ، وإنما علينا أن نَرجع إلى اللغة أو الفهم العرفي ، فإنْ راجعنا اللغةَ والعرف ورغم ذلك لم نعرف المعنى فهذا معناه أنّ الله لن يعذّبنا ، لأنها تكون بقوّة عدم بـيان الحكم الشرعي للناس ، وبالتالي سنكون بريئي الذمّة . وأمّا إن كنّا نعرف المعنى اللغوي أو العرفي لهذه الكلمة لكننا شككنا في انطباق كلامٍ معيَّنٍ بطريقة معيّنة على الخضوع بالقول ففي هكذا حالة ـ المسمّاة بالشبهة المصداقية ـ لا ينبغي أن نرجع إلى قوله تعالى [وَمَا كُـنَّا مُعَذِّبين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] لأنّ هذه الآيةَ ناظرةٌ إلى المواضيع والأحكام الكليّة ، لأنّ هذا هو شأن النبيّ ، فوظيفةُ النبيّ أن يقول "شربُ الخمرِ حرامٌ" وليست وظيفتُه أن يقولَ هذا خلٌّ وذاك خمرٌ وهذا طاهرٌ وذاك نجسٌ ... وإنما يُرجع إلى قوله (ص) رُفِعَ عن أمّتي ما لا يعلمون ، ولذلك إذا سمعتَ يوماً ما أنشودةً مردّدةَ الأمرِ بين الغناء المحرّم وبين الأنشودة المحلّلة بنحو الشبهة المصداقية ففي هكذا حالة يجوز الرجوع إلى حديث الرفع لا إلى آية [وَمَا كُـنَّا مُعَذِّبين] .
* * * * *
[٦٤٢] الأحزاب ـ ٣٢ . فإن قلتَ : هذه الآيةُ مختصّةٌ بخصوص نساء النبيّ (ص) بدليل قوله تعالى فيها [يَا نِسَاءَ النبيّ لَسْتن كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ] فنساءُ النبيّ لَسْنَ كأحدٍ من النساء ، فهذا الحكمُ لأجل هذا مختصٌّ بهنّ لا بعموم النساء ، قلتُ : ما ذكرتموه هي التفاتة جيدة وصحيحة ، فليس نساءُ النبيّ كنسائـنا ، ولا نساءُ الأئمّة (ع) كَنِسائـنا ، ولا نساءُ مراجعنا كنسائـنا ، هنّ أعلى شرافةً من نسائـنا من حيث كونِهنّ نساءَ النبيّ أو الأئمّة أو المراجع ، لا من حيث أنفسهنّ بذاتهنّ ، فلا يليق بعدما تزوّجها النبيُّ أن يتزوّجها إنسانٌ عاديّ وذلك لأكثر من علّة عقلائية وَجِهَة اجتماعية ، لكنْ ـ رغم ذلك ـ عموم التعليل يفيدنا عمومَ الموضوع والحكم .