دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣٥ - البراءة في الكتاب الكريم
الشمسُ فقد صار وجوبُ الصلاة فعلياً على المكلّف ، لكنه لو مات ولم يعلم بزوال الشمسِ ولم يصلِّ يكون بريءَ الذمّة يوم القيامة ، وسيأتي بـيانُ ذلك أكثر .
* * * * *
٢ ـ قوله تعالى[مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ،وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ، وَلاَتَزِرُوَازِرَةٌوِزْرَ أُخْرَى ،وَمَا كُـنَّا مُعَذِّبين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] [٦٣٩]أي حتى نبعث رسولاً أو وصيَّ رسول أو عالِمَ دين ، يُـبَـيِّنُ لهم تكاليفَ اللهِ الإلزاميةَ ، أي وما كنّا معذّبين حتى نبعث بـياناً ، فالآية تدلّ على البراءة الشرعية بوضوح ، وأنت تعلم أنّ المعصومين (ع) قد بلَّغوا ما أرادوا ، بل أكثروا وزادوا ، فلو كانوا يريدون أن يقولوا مثلاً : الأذان واجب أو الإقامة أو القنوت لقالوا ذلك في ألف رواية ، بحيث لا يمكن ضياعُ جميع الروايات ـ كما فعل الشيخ الكليني في الكافي ـ فح حينما نبحث ولا نجدُ في المسألة روايةً صحيحة فهذا يصدق عليه أنه لم يـُبعث لنا فيه رسولٌ ولا بـيان ، فتجري ح البراءةُ بوضوح والحِلّيّةُ والطهارةُ .
* وهنا عدّة فوائد :
الاُولى : من الواضح أنّ البراءة المستـفادة من هذه الآية موردُها خصوصُ الشبهات الحكمية التي من شأن الرسول أن يُـبَلّغها ، وليس موردُها الشبهاتِ الموضوعية أي الخارجية الجزئية ، وذلك بدليل قوله تعالى [حتى نبعثَ رسولاً] ، ومهمّةُ الرسول إنما هي بـيانُ خصوص الأحكام الكليّة ، لا الخارجية الجزئيّة ، فلو حصل عندنا شبهةٌ موضوعيةٌ فلا محلّ لجريان هذه الآيةِ حتماً ، ولا دخل لرسول الله (ص) أن يأتي إلينا كلّ يوم فيشخِّصَ لنا الموضوعَ ، فلو شَككنا مثلاً في كون الأنشودة الفلانية غناءً كي تكون حراماً ، أم أنها ليست غناءً كي تكون حلالاً ، فلا شكّ في عدم جريان هذه الآية في هكذا أمثلة ، فإنّ ما على الرسول قد تمَّ ، وعلينا نحن تشخيصُ أنّ هذا الصادرَ هل هو غناءٌ عرفاً أم لا ، فأنت بنفسك تـنظر ـ كمرآةٍ عن العُرف ـ في الأنشودة هل يصدق عليها أنها غناءٌ عرفاً أم لا ، فإنْ شَككتَ فمرجعُك في هكذا حالة ليس إلى آية [وَمَا كُـنَّا مُعَذِّبين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] لأنّ المفروض أنّ الرسول قد بلَّغ ، وإنما مرجعك هو حديث الرفع بلا شكّ ولا خلاف . المهم هو أنه لا شكّ ولا خلاف في عدم جريان البراءة المستـنبَطة من هذه الآية في الشبهات الموضوعية أي المصداقية ـ كما لو شككنا في خمريّة هذا المائع الخارجي الموجود أمامنا ـ لأنّ المشكلة هي من عندنا بوضوح .
[٦٣٩] الإسراء ـ ١٥.