دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٢٤ - ١ ـ البراءة العقليّة
وقال السيد المروّج بأنّ دليلهم على أصالة الحظر هو "أنّ الأشياء كلّها مملوكةٌ لله تعالى ، فلا يجوز التصرّف فيها بدون إذنه ، لعدم جواز التصرّف في ملك الغير إلاّ بإذنه" (إنـتهى) [٦٢٨].
وقال السيد الشهيد الصدر : "المعروف بين محقّقي العصر الثالث من عصور علم الأصول عدمُ الخلاف في حكم العقل بالبراءة الذي عبّروا عنه بـ (قاعدة قبح العقاب بلا بـيان) ، وهذه القاعدة بحسب الحقيقة تحتلّ مركزاً أساسياً في التـفكير الأصولي في هذا العصر الثالث ، بل يمكن أن نعتبر هذه القاعدة أحد الركنَين الأساسيـّين اللذين قام عليهما التـفكير الأصولي في هذا العصر في باب الأدلة العقليّة .." (إنـتهى) .
أقول : ذكرنا كلامنا كلّه في هذا المجال في تعليقتـنا على شرح الحلقة الثالثة للشهيد الصدرونختصر هنا فنقول :
قبل عرض كلامنا في الموضوع ينبغي تقديمُ عدّة مقدّمات :
الاُولى : تكلّم العلماءُ ـ كما لاحظتَ في كلامهم السالف الذكر وكما سترى فيما يأتي ـ في هذه المسألة على صعيدين :
الأوّل : على مستوى أنّ عدم الوجدان يكشف عن عدم الوجود ظاهراً والمعبّر عنه بقولنا (لو كان لَبانَ) وهو يكون بعد البحث والنظر في الأدلّة الشرعية ، وعلى هذا الصعيد يدّعي العقلُ عندنا أنّ عدمَ الوجدان أمارةٌ على عدم الوجود ظاهراً وبالتالي على عدم الحجيّة ، فيكون من قبـيل الإطلاق المقامي الكبـير [٦٢٩].
[٦٢٨] راجعمنـتهى الدراية للسيد المروّج ج ٦ عند البحث عن أدلّة المحدّثين على الإحتياط/ الدليل الثالث : العقل/ التقرير الثاني ص ٣٢٠ .
[٦٢٩] تلاحظُ من كلام العلماء أنّ كلامهم ليس قبل الفحص في الأدلّة الشرعية وإنما هو بعد الفحص في الأدلّة ومع غضّ النظر عن قاعدة البراءة الشرعية ، فمثلاً :
قال صاحب الكفاية : "قد استقل العقلُ بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه فإنهما بدونها عقاب بلا بـيان ومؤاخذة بلا برهان ، وهما قبـيحان بشهادة الوجدان . ولا يخفى أنه مع استقلاله بذلك لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته فلا يكون مجالٌ ههنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل" (إنـتهى) .
وكذا قال المحقّق النائيني إذ قال "إنه لا مقتضي للتحرُّك مع عدم وصول التكليف، فالعقابُ حينـئذٍ عقابٌ على ترك ما لا مقتضي لإيجاده وهو قبـيح" وهو صريح في أنه نظر وحاول معرفة الموقف الشرعي لكنه لم يعرف ، وهذا يعني أنّ نظره هو إلى الصعيد الثاني ، أي بعد الفحص في الأدلّة .
وكذا قال المحقّق الإصفهاني ، إذ قال " إ نّ كل أحكام العقل العملي مَرَدُّها إلى حكمه الرئيسي الأوّلي بقبح الظلم وحسن العدل ، ونحن نلاحظ أنّ مخالفة ما قامت عليه الحجةُ خروجٌ عن رسم العبودية وهو ظلم من العبد لمولاه فيستحق منه الذم والعقاب ، وأنّ مخالفةَ ما لم تـَقُم عليه الحجةُ ليست من أفراد الظلم ، إذ ليس من زَيِّ العبودية أن لا يخالف العبدُ مولاه في الواقع وفي نفس الأمر ، فلا يكون ذلك ظلماً للمولى ، وعليه فلا موجب للعقاب بل يقبح ، وبذلك يثبت قبح العقاب بلا بـيان" ، وقولُه "أنّ مخالفةَ ما لم تـَقُم عليه الحجةُ ليست من أفراد الظلم" يعني أنه نظر وحاول معرفة الموقف الشرعي لكنه لم يَعرِف لأنه لم تَقُم عليه الحجّةُ .
وقال أيضاً تعميقاً لقاعدة قبح العقاب بلا بـيان حاصله : "انّ التكليف إنشائي وحقيقي ، فالإنشائي هو ما يوجَدُ بالجعل والإنشاء ، وهذا لا يتوقف على الوصول ، والتكليف الحقيقي هو ما كان إنشاؤه بداعي البعث والتحريك وهذا متقوِّمٌ بالوصول ، إذ لا يُعقَلُ أن يكون التكليفُ بمجرَّدِ إنشائه باعثاً ومحرِّكاً ، وإنما يكون كذلك بوصوله، فكما أنّ بعث العاجزِ غيرُ معقول كذلك بعْثُ الجاهلِ ، وكما يختص التكليفُ الحقيقي بالقادر كذلك يختص بمن وَصَلَ إليه ليُمْكِنَه الإنبعاثُ عنه ، فلا معنى للعقاب والتـنجُّزِ مع عدم الوصول لأنه يساوق عدمَ التكليف الحقيقي ، فيقبح العقاب بلا بـيان لا لأنّ التكليف الحقيقي لا بـيان عليه بل لأنه لا ثبوت له مع عدم الوصول" (إنـتهى) وهذا يعني أنه بحث عن الدليل الشرعي ولكنه لم يجده لعدم وصوله إليه .
وقال المحقّق العراقي : "قد يُستدَلُّ عقلاً للقول بالبراءة بـ "قاعدة قبح العقاب بلا بـيان" ، وفي قباله توهُّمُ معارضتِها بقاعدة "دفع الضرر المحتمل" ، بل ورود الثانية على الأولى ، لكونها بـياناً رافعاً لموضوع القبح المزبور . ولا يخفى ما في الأخير ، إذ بـيانـيَّـتُها منوطةٌ بتطبـيق حُكْمِه بوجوب الدفع ـ أي يجب دفع الضرر المحتمل ثم ينتج عندنا إحتمال وجود ضرر محتمل (الشارح) ـ ، وهو فرع وجود موضوعه في الخارج ، إذ يستحيل مجيءُ الموضوع من قبل حكمه . وحينـئذٍ لا مجال لاحتمال الضرر من قبل هذا الوجوب ، والمفروضُ عدمُ بـيانٍ آخَرَ غيرِه ، وحينـئذٍ لا يـبقَى مجالٌ لاحتمال الضرر ، إلا احتمالَه في ظرف اللا بـيان ، وبديهيٌّ أنّ هذا الإحتمال منفيٌّ بقاعدة القبح فتكون قاعدةُ القبح واردةً على الثانية لا العكس" ، وهو واضح في كون نظرِه إلى مرحلة الفحص والبحث وعدم وجدان بـيانٍ شرعي على الحكم .
وقال السيد البجنوردي في كتابه (منـتهى الأصول) ج ١ ص ١٨٣ : "للمولى وظيفةٌ ـ وهي بـيانُ أوامرِه ونواهيه وسائرِ أحكامه ، فلو أَخَلَّ بوظيفته ولم يُـبَـيِّن أحكامَه فليس له أن يعاقِب العبدَ أو يعاتبَه لأنّ العقاب بلا بـيان قبـيحٌـ وللعبد وظيفة وهو الفحص عن الأحكام الصادرة عن المولى في مظانِّها وتعلُّمُها لكي يعمل بها ، ولا فرق في هذا الحكم العقلي بين المجتهد والعامِّي ، غايةُ الأمرِ هو أنّ تَعَلُّمَ المجتهدِ يكون بالرجوع إلى الأدلة التفصيلية وتَعَلُّمَ العامّيِّ يكون بالرجوع إلى فتاوى مقلَّدِه ، فيجب على كل مكلَّف وجوباً عقلياً تعلُّمُ الأحكامِ حسب وظيفة العبودية إمّا اجتهاداً أو تقليداً" .
وقال في ج ٢ ص ٧ : "ثم إنّ هذا كله كان في الأصول الحكمية الشرعية ، وأمّا الأصول العقلية فالحصر في كليهما ـ أي المجرى والجاري ـ عقلي ، لأنـنا بعدما فرضنا أنّ المجتهد بعد الفحص والتفتيش لم يَظفر على دليل شرعي على الحكم ـ أصلاً كان أو أمارةً ـ فإنّ كان شكُّه في أصل الإلزام من قِبَل الشارع فالعقلُ يحكم بقبح العقاب بلا بـيان ، ولا معنى لوجود أصلٍ آخَرَ من قِبَل العقلِ في مثل هذا المورد" .
وقال السيد المرعشي النجفي في كتابه (القول الرشيد في الإجتهاد والتقليد) ج ٢ تقرير السيد عادل العلوي ص ١٣٠ "لا فرق في وجوب التعلَّم مقدّمةً بين مَن يَعلمُ أنّه سيـبتلي بالواجب بعد حصول وقته أو شرطه ، وبين من يحتمل الإبتلاء به في ظرفه ، وذلك لعدم جريان البراءة العقلية المبتـنية على (قبح العقاب بلا بـيان) ، فإنّ الشارع المقدّس تصدّى لبـيان أحكامه وجعَلها في موردٍ لو فَحَصَ عنها المكلَّفُ لَظَفَرَ بها وانتهت وظيفة المولى" .
وقال سيدُنا الشهيد في الحلقة الثالثة ج ٣ من أجزاء العبد الفقير تحت عنوان (الوظيفة الأوّلية في حالة الشكّ) : "كلَّما شَكّ المكلَّفُ في تكليفٍ شرعي ولم يَتَأّتَّ له إقامةُ الدليلِ عليه إثباتاً أو نـَفياً فلا بُدَّ له من تحديد الوظيفة العملية تجاهه ، ويقع الكلام أوّلاً في تحديد الوظيفة العملية تجاه التكليف المشكوك بقطع النظر عن أيّ تدخُّلٍ من الشارع في تحديدها ، وهذا يعني التوجه إلى تعيين الأصل الجاري في الواقعة بحد ذاتها وليس هو إلا الأصل العملي العقلي" وقوله "ولم يَتَأّتَّ له إقامةُ الدليلِ عليه إثباتاً أو نـَفياً " يعني أنه نَظَرَ وحاوَلَ أن يعرف الموقفَ الشرعي فلم يعرف ، وهو واضح في أنّ نظره هو إلى مرحلة ما بعد الفحص وعدم وجدان دليل شرعي .