دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٩ - تعريف عِلْمِ الاُصول وموضوعه
فصلاتُه صحيحة بلا شكّ ، رغم ارتكابه لمعصيةٍ كبـيرة ، وذلك تمسّكاً بإطلاق وجوب الصلاة من التـقيّد بعدم تـنجّز الأهمّ ، فيـبقَى وجوبُ الصلاةِ فعليّاً عليه رغم تـنجّزِ وجوبِ الأهمّ ، نعم ، لا يتـنجّز واجبان متضادّان في وقتٍ واحد ، فتُصحَّح الصلاةُ لبقاء الوجوب الفعلي بها . والمثالُ الآخر نأخذه من بحث مقدّمة الواجب : لو فرضنا أنّ شخصاً دخل إلى أرضٍ مغصوبةٍ غفلةً أو بسوء اختياره ، ثم تاب وأراد أن يخرج منها ليتخلّص من زيادة التصرّف بالمغصوب ، وأراد أثـناء خروجه أن يتوضّأ من دون أيّ تصرّف زائد في أرض الغَير ، فقد ذهب كلّ أو جلّ علمائـنا إلى صحّة وضوئه ، لأنّ وضوءه هذا غير مبغوض وغيرُ منهيّ عنه ، فيصحّ التمسّكُ بإطلاقات الوضوءات البـيانـيّة لإثبات عدمِ تـقيّد الوضوء بعدم كونه في هكذا حالة .
من خلال هذين المثالين تعرفُ لزومَ إدخال المباحث العقليّة التي يُستـنبط منها بعضُ الأحكام الشرعيّة .
* وممّا ذكرنا تعرفُ أنّ موضوع علم الأصول هو (القواعد العامّة ـ أي الأدلّة المشتركة ـ التي تكون هدفها الإقدار على استـنباط الأحكام الشرعيّة) سواءً كانت تشكّل صغرى في قياس الإستـنباط ـ من قبـيل قولهم (الجملة الشرطيّة تدلّ على المفهوم) ـ أو كبرَى ـ من قبـيل قولِهم (خبر الثـقة حجّة) و (فِعْلُ المعصومِ حجّةٌ) و (الظهور حجّة) و (الخبر الذي يخالف العامّة ـ في حال التعارض المستـقرّ ـ هو الحجّة) ـ ولذلك يصحّ تعريف علم الأصول بأنه (العِلْمُ بالقواعد الممهِّدة لاستـنباط الأحكام الشرعيّة) ، ودورُ الأصوليّ أن يستكشف الصحيحَ منها بقدر وُسْعِه وطاقتِه .
فإن قلتَ : بناءً على ما ذكرتَ يجب إدخالُ القواعد الفقهيّة في علم الأصول ، لأنه يُستـنبَطُ منها أحكام شرعيّة !
قلتُ : القواعدُ الفقهيّة هي أحكامٌ شرعيّة فقهيّة فرعيّة كلّيّة ، يُطبّقُها العامّيُّ في الكثير من الحالات ويطبّقها على الموارد المناسبة ، كما في (لا ضرر) و (لا حرج) و (الأمين لا يضمن إلاّ بالتعدّي أو التـفريط) وكقواعدِ الفراغ والتجاوز والصحّة في عمل الغَير وقاعدة (اليَدُ أمارةُ الملكيّة) . نعم هناك بعض القواعد الفقهيّة يطبّقها خصوصُ الفقيه فقط ، ولا يستطيع العامّيُّ أن يطبّقها لأنها بحاجة إلى الخبرة كما في قاعدة الإمكان ـ وهي قولهم ( إنَّ كُلَّ ما يمكنُ أن يكون حيضاً فهو حيض ) ـ وقاعدة (الإسلامُ يَجِبّ ما قَبْله) وقاعدة (القرعة) وقاعدة (لا تُعاد الصلاة إلاّ مِن خَمْس : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود) ، وهذا لا يعني أنها خرجت من كونها قواعدَ فقهيّة . ولذلك فمراد العلماء من القواعد العامّة ـ المذكورة في تعريف علم الأصول ـ هو كقولهم (خبر الثـقة حجّة) و (البراءةُ حجّة) فهي