دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٦٥ - الكلام في ادّعاء المحقّق القُمّي حصْرَ الحجيّةِ باستظهار المخاطَبين فقط
للمدرّسين في التّأليفات والمتعلّمين والمتأمّلين فيها وحملها على مقتضى ما يفهمون بقدر طاقتهم (من دون حاجة إلى حصول الظنّ عند البعيدين أي غير المخاطبـين) ، ولا كذلك المكتوب إليهم المكاتيب ،
فإنّه ممنوع ، سيّما فيما اشتمل على الأحكام الفرعيّة ، إذ الظاهر منها إلقاءُ الأحكام بين الأمّة وإعلامُ (خصوص) المخاطَبين بالشرائع وإعلاؤها بـينهم ، وذلك لا ينافي قصد عمل الآتين بعدهم ولو بعد ألف سنة بذلك ، لأجل حصول الطَّريقة واستقرار الشّريعة بعمل الحاضرين ومزاولتهم ونقلهم إلى خلفهم يداً عن يد ، ولا ينافي ذلك أيضاً تعلَّق الغرض بـبقائه أبد الدّهر لحصول الإعجاز وسائر الفوائد ، إذ ذلك يحصل بملاحظة البلاغة والأسلوب وسائر الحكم المستـفاد منها مع قطع النّظر عن الأحكام الفرعيّة التي هي قطرة من بحار فوائده .." إلى أن قال : "والحاصل أنّ دعوى العلم بأنّ وضع الكتاب العزيز إنما هو على وضع المصنّفين سيّما في الأحكام الفرعيّة دعوى لا يفي بإثباتها بـينة" (اِنـتهى كلامه رفع مقامه) . وقد يستدلّ له بما رواه زيد الشحام قال : دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (ع) فقال : يا قتادة ، أنت فقيهُ أهلِ البصرة ؟ فقال : هكذا يزعمون ، فقال أبو جعفر (ع) : بلغني أنك تـفسِّرُ القرآنَ ، فقال له قتادة : نعم ، فقال له أبو جعفر (ع) : بعِلْمٍ تـفسِّرُهُ أم بجهل ؟ قال : لا ، بعلم ، فقال له أبو جعفر (ع) : فإنْ كنت تـفسِّرُهُ بعِلْمٍ فأنت أنت وأنا أسألك قال قتادة : سَلْ ، قال : أخبِرْني عن قول الله عز وجل في سبأ [وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ][٥٦٦]؟ فقال قتادة : ذلك مَن خَرَجَ مِن بـيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد هذا البـيت كان آمناً حتى يرجع إلى أهله ، فقال أبو جعفر (ع) : نشدتُك اللهَ يا قتادة ، هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بـيته بزادٍ حلالٍ وراحلةٍ وكراء حلال يريد هذا البـيت فيُقطع عليه الطريقُ فتَذهب نفقتُه ويُضرَبُ مع ذلك ضربةً فيها اجتياحُه ؟ قال قتادة : اللهم نعم ، فقال أبوجعفر (ع) : وَيْحَكَ يا قتادة ، اِنْ كنت اِنّما فسرتَ القرآنَ مِن تلقاء نفسك فقد هلكتَ وأهلكتَ ، واِنْ كنت قد أخذتَه من الرجال فقد هلكت وأهلكت ، ويحك يا قتادة ، ذلك مَن خرج من بـيته بزاد وراحلة وكراء حلال يروم هذا البـيت عارفاً بحقِّنا ، يَهوانا قلبُه ، كما قال الله عز وجل [واجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ الناسِ تَهْوِي إليْهِمْ] ولم يَعْنِ البـيتَ فيقول "إليه" ، فنحن واللهِ دعوةُ إبراهيم (ع) التي مَن هوانا قلبُهُ قُبِلَتْ حُجَّتُه ، واِلاّ فلا ، يا قتادة : فإذا كان كذلك كان آمناً مِن عذاب جهنم يوم القيامة ، قال قتادة : لا جَرَمَ واللهِ لا فَسَّرْتُها اِلاّ هكذا ، فقال أبو جعفر (ع) : ويحك يا قتادة ، اِنما يَعرِفُ القرآنَ مَن خُوطب به .
[٥٦٦] سبأ ـ ١٨ .