دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٣٩ - هل الإجماع المحصّل حجّةٌ شرعاً أم لا ؟
ُجمعون على خطأ إن لم يكن الحكم الشرعي بتلك الخطورة المهمّة .
ثم ـ على مستوى الصغرى ـ مِن أين لنا أن نُحَصِّل الإجماعَ بأنـفسنا ؟ فإنه ـ بلا شكّ ـ أكثرُ فقهائـنا الأقدمين لم يكتبوا أو لم تصل آراؤهم إلينا ، فإنـنا لا نعرف مِن علمائـنا الفقهاء من أوّل الغيـبة الصغرى (٢٦٠ هـ ق) إلى زمان وفاة الشيخ الطوسي (٤٦٠ هـ ) إلاّ أقلّ من عشرين منهم ! بـينما يجب أن يكونوا بالآلاف[٥٤٤] ، وحتى هؤلاء العشرين لا نعرف كلّ آرائهم !!
وأمّا على أساس النقل ، فقد روى في الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بـينهما منازعة في دَين أو ميراث فتحاكما .. إلى أن قال : فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرَين في حقهما واختُلِف فيما حكما ، وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ فقال : الحكمُ ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعُهما ، ولا يُلتـفت إلى ما يحكم به الآخر ، قال فقلت : فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه ؟ قال فقال : يُنظَرُ إلى ما كان مِن روايتهما عنّا في ذلك الذي حَكَما به المجمعَ عليه عند أصحابك فيُؤخَذُ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإنّ المجمع عليه لا رَيبَ فيه ، وإنما الأمورُ ثلاثةٌ : أمْرٌ بين رُشْدُهُ فيُتَّبَعُ ، وأمْرٌ بين غَيُّهُ فيُجتـنبُ ، وأمْرٌ مشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إلى الله وإلى رسوله ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : "حلالٌ بين ، وحرامٌ بين ، وشبُهاتٌ بين ذلك ، فمَن ترَكَ الشبهاتِ نجا من المحرمات ، ومَن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يَعلم .." [٥٤٥] وهي مقبولة السند ، هذا ولكن لا يخفى عليك أنّ المراد من هذا الإجماع المذكور هو إجماع الأصحاب على العمل بإحدى الروايتين الصحيحتين دون الأخرى لبعض أسباب ، إضافةً إلى أنّ إجماعهم هذا يفيد عادةً الإطمئـنانَ بالصدور وبكون المرويّ هو قول المعصومين (ع) ، لأنه حسّيّ ـ كما تلاحظ في حديث غدير خمّ ـ بخلاف الإجماع الفتوائي الذي لم نعلم باعتمادهم فيه على رواية صحيحة ، فقد يكونوا اطمأنّوا بالفتوى لبعض جهات لا نطمئـن نحن منها ، ولذلك ينزّل إجماعُهم الفتوائي هذا
[٥٤٤] تقرأ في حياة الشيخ الطوسي أنه ربّى "مئات العلماء" . وقال بعضهم إنه حينما ورد الشيخ الطوسي بغداد "كانت بغدادحافلة بالآلاف من العلماء في جميع الفنون ومن جميع المذاهب الإسلامية" .
[٥٤٥] ئل ١٨ ب ٩ من أبواب صفات القاضي ح ١ ص ٧٥ .