دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٣٦ - هل الإجماع المحصّل حجّةٌ شرعاً أم لا ؟
أسمائه الحسنى وصفاته العليا ـ إرسالُ الرسل كي لا يضلّ خلقُه وعبادُه عن الحقّ ، لكنْ هذا ، في الاُمور الخطيرة ـ كما في وجوب الصلاة والصيام والحجّ .. وكما في حرمة شرب الخمر وقطْعِ الرحم .. ـ أمّا في الاُمور الغير خطيرة فلا يجب أن يعرّفنا اللهُ الحقّ ، لا عقلاً ولا عرفاً ، على أنـنا نعلم أنّ المعصومين (ع) قد بلّغوا جميعَ الأحكام المهمّة بلا استـثـناء ، حتى ورد في السواك ـ الذي هو غير واجب ـ أكثرُ من مئة رواية !! فما بالُك فيما هو أقلُّ أهميّةً ومصلحةً ومفسدةً من السواك ؟!! فما قد ظهر من أئمّتـنا هو فوق اللطف بكثير ، ولا دليل على أكثر من ذلك .
على أنه ما الفائدة لو أَوْقَعَ الباري تعالى الخلافَ بين الاُمّة في مسألة غير مهمّة ـ كما في مسألة هل يجب على الحاجّ الصرورة أن يحلق أو يكفي أن يقصّر ـ ، أقصد ما المانع من أن يقول أغلبُ فقهائـنا إلى يوم القيامة بما هو خلاف الواقع في مسألة غير مهمّة أصلاً ؟!
ثم لو دخل الإمامُ rفي العلماء ليَمنع حصولَ الإجماع ، فهل يكفي هذا اللطفُ بالقليل من العباد ولا يجب اللطفُ بالنسبة إلى أكثر الضالّين عن الحقيقة ؟!
ثم لو اتـفق كلّ علمائـنا على رأيـين فقط ، وتبين لبعضنا خطأُ الرأي الأوّل مثلاً ، فهل يجوز لنا أن نغمض أعينـنا ونأخذ بالرأي الآخر من دون التحقّق منه ؟! بذريعةِ أنّ الرأي الثاني لا بدّ أن يكون صائباً وصحيحاً رغم احتمال أنّ يكون الصحيح هو رأي ثالث ؟! قطعاً لا يجوز ، وهذا من الاُمور المتسالم عليها .
* وأمّا البـيانُ الثاني ـ وهو ادّعاء الملازمة بين الإجماع وبين الحكم الواقعي أو الظاهري ـ فله عدّة بـيانات ، وهي متقاربة في الجوهر .
منها ادّعاء وجود ملازمة عادةً بين قول المرؤوسين وقول الرئيس !
وهو ادّعاء قد يصحّ على مستوى السياسة والحكم ، ولكنْ في مجالنا ، حيث يَحكم الفقهاءُ بالإجماع فقد يحكمون ـ كما هو الغالب ـ على أساس أمارةٍ معيّنة أو أصل عملي ، وهم بالتأكيد يُفتون على أساس فهمهم للأدلّة ، فقد يصيـبوا الواقع وقد لا يصيـبونه ، فإنِ اطمأنـنا بصحّة ما ذهبوا إليه نـتبعهم وإلاّ فلا ، وكلّ علمائـنا لم يَدّعوا غيرَ هذا ، ولم يَدّعوا الملازمةَ العاديّة المذكورة .
ومنها ادّعاء أنّ كلّ فتوى تورّث عادةً إحتمالاً بإصابة الواقع ولو بنسبة ضئيلة ، ولكنْ مع تراكم الإحتمالات يصل الإنسان عادةً إلى الإطمئـنان بصحّة استدلالهم وصحّة ما ذهبوا إليه .