دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥١٤ - الكلامُ في حجيّة إخبار الثـقة في الموضوعات
٢ ـ أم أنه (ص) كان يصدّق إذا حصل عنده من قول الثقة ـ حتى ولو كان واحداً ـ عِلْمٌ أو اطمئـنان ، إيماناً واعتقاداً من النبي (ص) ـ غالباً أو عادةً ـ أنّ الأصل في كلام المؤمن أنه صدق ، فلأجل هذا الإعتقاد بحُسْنِ حال المؤمن كان يحصل عنده ـ غالباً أو عادةً ـ علمٌ ، ولعلّه لذلك وصفوه بأنه اُذُن أي أنه سريع التصديق للمؤمنين ، بخلاف الكفّار الذين يستهزئون بالمؤمنين ، فإنهم لا يصدّقونهم ، ولو مكابَرَةً وتعنـتاً .
٣ ـ أم أنه (ص) كان يصدّق مطلقَ المؤمن حتى ولو لم يحصل من كلامه عند النبي عِلْمٌ ، بمعنى أنّ وجوب تصديق المؤمنِ أمْرٌ تعبّدي شرعي ، وهذا أيضاً أمْرٌ مرفوض عند الكفّار قطعاً .
وعليه ، بما أنّ هذه الإحتمالات الثلاثةَ وارِدةٌ عرفاً ، فلا يمكن الإستدلالُ ـ بضرس قاطع ـ أنّ المراد هو الإحتمال الثالث ، فلعلّه (ص) كان [يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ] إذا كانوا شاهدين عادلَين ، ولعلّه كان [يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ] إذا حصل من قولهم الوثوق ، من باب أنّ الأصل صدقهم ، فكان سريع التصديق لهم ، فلم يُعلم أنه (ص) كان [يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ] مطلقاً ، أي ولو لواحد منهم ، تعبّداً وشرعاً ، حتى ولو لم يحصل من قوله علمٌ ولا اطمئـنان ، ولا إطلاقَ في البين ليُتمسّك به ، فح لا يصحّ الإستدلال بهذه الآية المباركة على حجيّة خبر المؤمن الواحد في الموضوعات .
* وأيضاً قد يستدلّ بقوله[وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ ، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنـتمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبـَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّن لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتـفكَّرُونَ (٤٤)] [٥٠٥] ، وذلك بتقريب أنّ القدر المتيقّن هم أهل الكتاب ، فهم الذين ينبغي أن يسألهم الإنسان ليتأكّد أنّ الله تعالى ما أرسل في العهود السابقة إلاّ رجالاً يوحِي إليهم ، وليس رسول الله محمد (ص) بِدْعَةً في تاريخ الإنسان ، وأهلُ الكتاب لا يكونون عدولاً ـ لفسقهم العقائدي ـ وإنما قد يكونون ثقةً صادقين ، خاصّةً في أمر الإخبار بوجود أنبـياء سابقين رجالٍ عاديـين كان يوحَى إليهم . وكأنّ الباري تعالى يطلب من الشاكّ في نبوّة رسول الله أن يسأل علماء النصارى واليهود ليحدّثوهم عن الأنبـياء السابقين ، وهذا يعني ـ طبعاً إن كانوا ثقات ـ حجيّةَ خبر الثقة .
وفي هذا التقريب أيضاً نظر ، وهو أنّ الآيةَ ليست في مقام إعطاء الحجيّة لخبر الثقة ، وذلك لأنها بصدد الأمر بالرجوع إلى أهل الذكر ليحصل عندهم عِلْمٌ وجداني ـ لا عِلْم تعبّدي ـ بكون الرسل
[٥٠٥] قال الله تعالى[وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِمَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئـنهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنـتمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبـينَاتِ وَالزُّبُرِ ، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبـين لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتـفكَّرُونَ (٤٤)] سورة النحل .