دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥١٣ - الكلامُ في حجيّة إخبار الثـقة في الموضوعات
عملياً بين قول الفاسق وقول العادل ، لأنه إن حصل العلمُ سواءً من خبر الفاسق أو من خبر العادل فهو حجّة ، وإن لم يحصل علم فهو غير حجّة على أيّ حال ، فلا يَـبقَى فرقٌ بين خبر الفاسق وخبر العادل ، وهذا إلغاءٌ لكلمة [فاسق] .
وإن قلتَ : إذن لعلّ التفصيل الصحيحَ شرعاً هو التالي "فإمّا أن يكون خبرُ العادل مظنونَ الصحّة فيكونُ حجّةً ، وإمّا أن لا يكون مظنونَ الصحّة ـ وإنما كان مشكوكَ الصحّةِ أو مستبعَدَ الصحّةِ ـ فلا يكون حجّة" .
قلتُ : هذا أيضاً غيرُ محتمَل ، فإنه لا يوجد أيّ دليل في الشرع على هكذا تفصيل خطير ، إضافةً إلى أنّه لا يصحّ أن تقول بأنّ خصوصَ مظنونِ الصحّة هو حجّة ثم يعلَّلُ ذلك بأنّ غيرَ مظنونِ الصحّة هو جهالة دون مظنون الصحّة فإنه ليس بجهالة ! فإنّ مظنونَ الصحّةِ ، أيضاً جهالةٌ بالوجدان . وبتعبـيرٍ آخر : هذا التفصيل لا يصحِّحُ التعليلَ بالجهالة .
ولذلك فالآية لا تـنظر إلى متن النبأ ، فإنّه إذا نُظِرَ إلى متن خبر المخْبِرِ فإنك إمّا يجب أن تفصّل بحصول العلم بالصدق وعدم حصول العلم ـ كما في التفصيل الأوّل ـ وهذا يجعلُ ذِكْرَ كلمة [فاسق] لَغْويّاً ، وإمّا يجب أن تُفَصِّلَ بين حصول الظنّ من خبر العادل وعدم حصول الظنّ ، وهذا لا يُصحِّحُ التعليلَ بالجهالة . لذلك يجب القول بأنه ليس النظر في الآية إلى متن الخبر ، وإنما النظر إلى سنده فقط ، هكذا يكون ذكر [فاسق] ذا أهميّة ، ويصحّ ح التعليلُ بالجهالة .
لذلك يجب القول بأنّ المراد من آية النبأ هو "إنما يجب التبين إن كان الجائي بالنبأ فاسقاً" ، فهي بمثابة قولك "إنْ نَجَحَ زَيدٌ فأَكْرِمْه" ، والمفهومُ هو "أمّا إن لم ينجح فلا يجب عليك إكرامُه" .
٢ ـ وقد يستدلّ بقوله سبحانه وتعالى [وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النبيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ، قُلْ أُذُنُ خَيـْرٍ لَّكُمْ ، يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)][٥٠٤] ، وذلك بتقريب أنّ رسول الله (ص) ما كان يسأل المؤمنين في الأحكام الشرعية ، وإنما كان يُصغي إليهم في الاُمور الموضوعية ، ويصدّقهم في ذلك .
ولكنْ في هذا التقريب نظرٌ، وذلك لعدم الإشارة في الآية إلى شروط تصديق المؤمن :
١ ـ هل إذا كانوا شاهدَين عادلَين ـ كما في حالات الدعاوَى ـ فيكون التصديقُ تعبدياً ؟ وهذا أمْرٌ يَرفضُه الكفّار .
[٥٠٤] سورة التوبة .