دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٥٣ - ٣ ـ دعوى التمسّك بالإجماع
الجبر والتشبـيه وغير ذلك من الغلو والتـناسخ وغير ذلك من المناكير ، فكيف يجوز الإعتماد على ما يرويه أمثال هؤلاء ؟
قيل لهم : ليس كل الثقات نقل حديث الجبر والتشبـيه وغير ذلك مما ذكر في السؤال ، ولو صح أنه نقله لم يدل على أنه كان معتقداً لما تضمنه الخبر ، ولا يمتـنع أن يكون إنما رواه ليُعلم أنه لم يشذ عنه شيءٌ من الروايات ، لا لأنه يعتقد ذلك ، ونحن لم نعتمد على مجرد نـقلهم ، بل اعتمادنا على العمل الصادر من جهتهم وعلى ارتـفاعِ[٤٠٧] النزاع بـينهم ، فأمّا مجرد الرواية فلا حجة فيه على حال .
فإن قيل : كيف تُعَوِّلون على هذه الأخبار وأكثر رواتها المجبِّرة والمقلِّدة والغلاة والواقفة والفطحية وغيرُ هؤلاء من فرق الشيعة المخالفُ اعتقادُهم للإعتقاد الصحيح ، ومن شرط خبر الواحد أن يكون راويه عدلاً عند مَن أوجب العملَ به ، وهذا مفقود في هؤلاء . وإن عَوَّلتم على عملهم دون روايتهم ، فقد وجدناهم عملوا بما طريقه هؤلاء الذين ذكرناهم ، وذلك لا يدل على جواز العمل بأخبار الكفار والفساق .
قيل لهم : إنّا لا نـقول إنّ جميع أخبار الآحاد يجوز العمل بها ، بل لها شرائطُ سنذكرها فيما بعد ، ونشير ههنا إلى جملة من القول فيه :
فأمّا ما يرويه العلماء المعتقدون للحق ، فلا طعن على ذلك بهذا السؤال .
وأمّا ما يرويه قوم من المقَلِّدَة فالصحيح الذي أعتقده ، أن المقلد للحق وإن كان مخطئاً في الأصل معفو عنه ، ولا أحكم فيه بحكم الفساق ، فلا يلزم على هذا تركُ ما نقلوه .
على أنّ مَن أشاروا إليه لا نسلم أنهم كلهم مقلدة ، بل لا يمتـنع أن يكونوا عالمين بالدليل على سبـيل الجملة كما تقوله جماعة أهل العدل في كثير من أهل الأسواق والعامة ، وليس من حيث يتعذر عليهم إيراد الحجج في ذلك ينبغي أن يكونوا غير عالمين ، لأن إيراد الحجج والمناظرة صناعة وليس يقف حصول المعرفة على حصوله ، كما قلناه في أصحاب الجمل .
[٤٠٧] أي بل اعتمادُنا على ارتـفاع النزاع بين الثقات ، أي بل اعتمادنا على إجماع الثقات العِلْمي والعَمَلي ، فأمّا مجردُ رواية الثقة فلا حجة فيها على حال . أقول : وهذا كلام خطير للغاية ، ولذلك سينسحب من هذا القول بعد بضعة أسطر (عند قوله : أحدهما) ، إلاّ أنه في الجواب الثاني ينسحب مما قاله في الجواب الأوّل فلا يقول بحجيّة رواياتهم إذا انفردوا بنقله ، وهذا يعني عدم حجيّة رواياتهم .