دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٣٥ - الأمارة الثانية الشهرة الروائيّة
الاُولى : إذا كثرت الروايات واختلفت معانيها فقد يحصل اطمئـنان بصدور بعضها ، كما في روايات وسائل الشيعة مثلاً ، فإنـنا مطمئـنّون بصدور الكثير منها ، لنفس السبب السالف الذكر ، وهو أنه لا يمكن عادةً كذِبُ جميع الفقهاءِ وجميعِ الرواة ، خاصةً وأنّ علماءنا الأقدمين مشهود لهم بالتقوى والتحقيق عن وثاقة الرواة وصحّة الروايات ..
والثانية : يشترط في التواتر أن يكون النقلةُ لنا للحادثة كثيرين ، فلو نقل لي شخصٌ ثقةٌ واحدٌ أنّ الحادثة الفلانية متواترة ، وأنه سمعها من ثلاثين رجلاً عادلاً مثلاً ، فإنه لا يحصل عندي تواتر ـ وإن كان التواتر عند الناقل موجوداً ـ لأنّ الناقل لنا واحدٌ لا كثير ، أي أن الخبر المذكور هو خبر واحد ، لا خبر متواتر .
وقولُنا بعدم تواتر خبر الثقة الواحد لا يعني عدم حجيّته ، لا ، بل هو حجّة ، وإنما نقول هو خبر واحد ، لا خبر متواتر ، فنحن مأمورون بأن نصدّق شرعاً خبر هذا الثقة في ادّعائه لوجود تواتر في القضية الفلانية ، وذلك لأنه نقْلٌ حسّي عادةً ـ وليس حدْسيّاً ـ طبعاً بعد قولنا بحجيّة خبر الثقة الواحد في الموضوعات . لكن من الطبـيعي أنه يشترط معرفة مراد ناقل التواتر من قوله بـ (التواتر) ، فقد يكون مراده عشرة رجال فقط مثلاً ، ويمكن أن نعتقد نحن بلزوم أن لا يقلّ التواتر عن عشرين مثلاً أو ثلاثين ، فلا يكون نقله التواتر ح إلاّ بمقدار علمنا بمراده من التواتر ، ومع التردّد بمراده بين الأقلّ والأكثر يجب عقلاً أن نأخذ بالقدر المتيقّن منه فقط . المهم هو أنه لا يصحّ أن يُحكَمَ بالصدور إلاّ إذا حصل اطمئـنان بصدور الرواية رغم ادّعائهم التواتر ، كما في حديث غدير خمّ .
* * * * *
الأمارة الثانية : الشهرة الروائيّة
والسؤال هنا هو : هل الشهرة الروائية حجّةٌ أم لا ؟
الجوابهو : أنّ الشهرة الروائية إذا أورثتِ الإطمئـنانَ بصدور بعض الروايات أو كلّها كانت حجّة ، وإلاّ فهي غير حجّة ، لكنها عادةً تورث الإطمئـنانَ ، لذلك فمنشأ حجيّة الشهرة الروائيّة عقليّ لا تعبّدي ، ويصعب على الفقيه أن يرى روايات كثيرة ولا يفتي على أساسها ، طبعاً إلاّ إذا كانت الرواياتُ مخالفةً لمبادئـنا كما لو اشتهرت الروايات بفضل الأوّل والثاني والثالث ، فإنها لا تورث الإطمئـنان ، لكنْ كلامنا ليس في هذا المجال ، ولذلك لا نرى اُصوليّاً يقول بعدم حجّيّة الشهرة الروائيّة ،