دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٣٠ - أبحاثُ الأمارات
ومع التعارض يزيد قليلاً حتى يطمئنّ ، إطمئـناناً عرفيّاً أيضاً ، ولا يوقع نفسَه في الحرج ، ويفحص في ماله بالمقدار المتعارف ليَعرف هل أنه مستطيع إلى الحجّ أم لا ، وهل عنده مقدار النصاب ـ في الأموال الزكوية ـ أم لا ، وهكذا . والفرق بين لزوم البحث في قضيّة المرجع الأعلم وكفاية البحث العقلائي العرفي في قضيتَي الحجّ والزكاة هو أهميّة أن يكون المرجع هو الأعلم واقعاً ، فإنه أمر عام شامل لكلّ جوانب الفقه ، أمّا في الحجّ والزكاة فقضيتان جزئيتان .
* وأمّا الجهة الثانية ـ وهي الفحص عن جهة الدلالة والظهور ـ فيقع الكلام فيها في مقامين :
الأوّل : في لزوم الفحص في معاني آيات الأحكام وروايات الأحكام لنعرف مرادات الله جلّ وعلا والنبي والأئمّة عليهم صلوات الله وسلامُه ، وهو بحث يَتكفّل فيه (بحثُ الظهورات) من الإطلاق والعموم ، والمفاهيم ، والحاكم والمقيِّد والوارد وأبحاث التعارض في الظهورات ، كبحث الجمع العرفي ... إلخ . وتحقّقُ صغرى الظهور عند فقهائـنا العرب سهل يسير ، وذلك لكونهم ـ خاصةً بعد الممارسة ـ أهلَ اختصاص بلغة أئمّتـنا i. لكن مع ذلك مِنَ الطبـيعي أن يكون فَهْمُ الفقهاءِ القدماء العرب وفهْمُ اللغويـين العرب القدماء أقربَ إلى الصحّة من فهْمِ العرب غير الفقهاء ، ومن الفقهاء الأعاجم ، ومن الفقهاء العرب البعيدين عن النصّ ، وذلك للجهات الثلاثة المذكورة ـ أي العُرُوبة والقِدَم والفقاهة ـ فيمكن إذن أن يُستـفاد مِنْ فَهْمِ الفقهاء العرب القدماء .
والثاني : في مقدار البحث عن المعاني في المعاجم اللغويّة وغيرها ـ كفَهْمِ الفقهاءِ العرب القدماء ـ ، فنقول ابتداءً بأنه لا بدّ من تحصيل الإطمئـنان بالمعنى المراد من الآيات والروايات ، وذلك لعدم حجيّة قول اللغوي وفَهْمِ الفقهاء العرب القدماء والإستعمالات في كتب التاريخ القديم والشعر القديم والقصص العربـية القديمة .
هذا ولكن نحن نرى أنّ هذا الشرط ـ وهو لزوم تحصيل الإطمئـنان ـ غير موجود في الخارج ، وذلك لأنّ الله تعالى وخلفاءه (علیهم السلام) لا يريدون إخفاء الحقيقة ، وإنما يريدون إبداءها وتعليمَ الناس أحكامَ دين الله جلّ وعلا ، ولذلك بعث المولى جلّ وعلا مئات آلاف الأنبـياء والأوصياء لتفهيم الناس بوضوح ، لا بشكل غامض . وبتعبـيرٍ آخر : حينما يحصل عندك ظنّ بمراد الباري عزّ وجلّ والمعصومين (ع) فسوف يتحوّل هذا الظنُّ تلقائياً إلى اطمئـنان بالمراد ، وذلك لما هو معلوم من كون الباري سبحانه والمعصومين في مقام بـيان الأحكام الواقعية لا في مقام إخفائها ، تلاحظ ذلك من قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ