دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٢٩ - أبحاثُ الأمارات
ولكن الكلام في بعض الشبهات الموضوعيّة كما فيما لو شكّ الشخصُ في حصول الإستطاعة على الحجّ ، وكما في شكّ الشخصِ في حصول نصاب الزكاة عنده ، وكما في لزوم الفحص عن الأعلم بين المجتهدين .. وهكذا ، فهل يجب فيها الفحص عقلاً أوّلاً ، وشرعاً ثانياً أو لا ؟
الجواب : لا شكّ أنّ العقلاء يشكّكون كـثيراً في جريان أصالة البراءة في هكذا موارد ، لا بل لا يـبعد أنهم يرون لزوم التحقّق من حصول الإستطاعة ونصاب الزكاة وأنهم يعتبرون أنّ إغماض العين عن التحقيق هو نوع تقصير مع الله وتهرّبٍ من التكليف الإلهي ، لا بل إنّ الإرتكاز العقلائي الفطري يقتضي لزومَ الفحص في الشبهات الموضوعيّة للوصول إلى الحقيقة ، ولذلك إن عَرِفَ بك العقلاءُ أنك لا تـفحص مقدارَ مالك فإنهم سيستهجنون منك قطعاً ، بل قد يعتبرونك فاسقاً ومتهرّباً من تـنفيذ أحكام الله سبحانه وتعالى ، وأقل ما سيقولونه لك : كيف يمكن إذَنْ أن تعرف نفسَك أنك مستطيع إنْ لم تـفحص وتدقّق في حساباتك ؟! هذا كلّه على مستوى البراءة العقليّة .
وأمّا على مستوى البراءة الشرعيّة فهل الجواب هو نفس الجواب على البراءة العقليّة وأنه يجب الفحصُ أم لا ؟ أي هل تجري قاعدة البراءة الشرعيّة هنا أم لا ؟
قد تَستدِلُّ بقول الله تعالى [لا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً إلاّ ما آتاها [٣٧٩] على عدم وجوب التحقيق ، وعلى جواز إغماض العَين عن مقدار المال .
فأقول : لكنّ اللهَ تعالى قد آتاك المال وأقدرك على معرفة مقداره ، وهذا يكفي عرفاً في صِدْقِ الإيتاء ، لكنْ أنت أغمضْتَ عينيك وأردتَ أن تـتهرّب من الحجّ أو مِن دفْعِ الزكاة ، فيجب أن تكون مكلّفاً . أو قُل : هذا أشبه شيء بإعطائك كتاباً لتدرس فيه ، ولكن أنت لم تمدّ يدَك لتأخذه . بل إنّ اهتمام الشارع المقدّس في بعض الأحكام الشرعيّة أمارةٌ على وجوب التحقيق في مقدار المال . فمثلاً : كم ورد في الشرع اهتمامٌ كبـيرٌ بالحجّ ، وأنّ مَنِ استطاع على أن يحجّ ولم يحجّ فليمت إن شاء نصرانيّاً أو يهوديّاً أو مجوسيّاً ، وأنه كافر وو .. وكم ورد من روايات أنّ الله تعالى حسب عدد الفقراء في كلّ زمان ومكان فجعل لهم من مال الأغنياء ما يكفيهم .. كلّ هذا الإهتمام يَخلُقُ عند الفقيه الظنَّ القويّ في لزوم الفحص عن حصول الإستطاعة وحصول النصاب .
وأمّا مقدارُ الفحص فيكفي أيضاً في الشبهات الموضوعيّة الفحصُ بالمقدار العقلائي المتعارف ، وذلك بدليل أنه هو مقتضى الإرتكاز العقلائي ، فيسأل مثلاً مِن مجتهدَين اثـنين عن الأعلم بين المجتهدِين ،
[٣٧٩] قال الله تعالى[ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ،وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ ، لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا ، سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧)] سورة الطلاق .