دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٢٧ - أبحاثُ الأمارات
ورد عدّة روايات تقول نحن أهل الذكر ، فتجب عليكم مسألتـنا[٣٧٣]... فهذه الآيات المباركة تأمرنا بالتـفقّه في دِين الله بأن نسأل أئمّتـنا iالذين هم اليومَ عبارةٌ عن أقوالهم المباركة ، وأيضاً لك الإستدلال بقوله سبحانه [قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ ، فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)] [٣٧٤] وذلك بـبـيان أنّ وجود كتب روائيّة وفقهيّة في متـناول الناس هي حجّةٌ بالغة على الناس ، لا تجوّز لهم إجراءَ الاُصولِ المؤمّنة قبل الفحص التامّ . إذن علينا أن لا نُبقي أنفسَنا في جهالة وأن لا نُغْمِضَ أعينَـنا عن الدين ونجري البراءة .
وكذلك الأمرُ في الروايات ، كحديث الرفع ، فهو إنما يُفيدنا رفْعَ التـنجيزِ إن لم نكن نعلمُ بالتكليف الإلزامي ، ولا بوجود أمارة معتبرة ، ولكنْ إنْ أمكنـنا الفحصُ واحتملنا معرفةَ الأحكام الشرعية ، ولو تعبّداً ـ أي ولو من خلال الأمارات المعتبرة ـ فحديثُ الرفع لا يفيدنا جوازَ إجراء البراءة في هكذا حالة ، أي حتى مع احتمال وجود أمارات معتبرة تعرّفنا على أحكام الله جلّ وعلا . وأيضاً روايات وجوب التعلّم[٣٧٥] من قبـيل "طلب العلم فريضة على كلّ مسلم" و "تـفقّهوا في الدين" فهي تـفيدنا وجوبَ التعلّم والتعرّفِ على أحكام دين الله ، وعدمَ جواز تجهيل النفس وإغماضِ العَين عن الروايات وإجراء البراءة .
ولوضوح هذا الأمرِ جداً قال العلماء بأنّ الاُصول المؤمّنة إنما تجري بعد الفحص التامّ في الأدلّة لا قبله واعتبروه أمراً مفروغاً منه ولا شكّ فيه ولا خلاف .
أمّا في مقدار الفحص فنقول : أنت تعلم أنه يجب أن يكون الحكم الشرعي واصلاً للناس بشكل يمكن الوصول إليه بشكل عادي ، بحيث لا يُحرَجون في إيجاده ولا يحتاجون إلى البحث الكثير ليجدوه ، ذلك لأنّ الله تبارك وتعالى بَعَث الأنبـياءَ والأوصياء لهداية الناس ، لا لإخفاء الأحكام ، وإلاّ لما بعثهم من الأصل ، وهذا ما نفهمه أيضاً من الآيات الكريمة الكثيرة من قبـيل قوله تعالى [حتى نبعث رسولاً] فيجب أن يكون الرسول واضحاً معلوماً ويمكن الوصول إليه بشكل طبـيعي ، وكذلك قوله تعالى [حَتَّى يُـبين لَهُم مَّا يَتَّقُون ] فيجب أن يكون البـيان واصلاً للناس بشكل واضح يمكن الوصول إليه ومعرفته ، لا أن يكون مخفيّاً عليهم في كتاب لا يكاد يصل إليه إلاّ ذو حظٍّ عظيم ، ومثلهما الكثير
[٣٧٣] ذكرها في اُصول الكافي / كتاب الحجّة / باب أنّ أهل الذكر هم الأئمّة (ع) ص ٢١٠ ـ ٢١٢ ، وذَكَرَها في جامع أحاديث الشيعة أيضاً ب ٤ من أبواب المقدّمات ص ١٧٨ ـ ١٨٥ .
[٣٧٤] سورة الأنعام .
[٣٧٥] تجدها في اُصول الكافي ج ١ باب فرض العلم .