دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٢٦ - أبحاثُ الأمارات
المقام الأوّل : لا شكّ عند المسلمين ، بل عند العقلاء أجمعين ، في لزوم الفحص في الأدلّة الشرعيّة المحرِزة قبل الإقدام على إجراء الاُصول العمليّة وقبل الإفتاء على أساس الاُصول المؤمّنة ـ كالبراءتين العقليّة والنقليّة وكأصالة التخيـير في موارد دوران الأمر بين المحذورين وكأصالتَي الطهارة والحِلّيّة في الشبهات الحكميّة ـ وذلك لِعِلْمِنا القطعي بوجود أحكام شرعيّة إلزاميّة ، ولِعِلْمِنا بأنّ الشارع المقدّس لم يذكر كلّ المقيّدات في رواية واحدة ، وإنما كان يذكرها منفصلةً في بعض الحالات ، لمصالح متعدّدة ، ولذلك ترى فقهاءنا قد عرفوا هذا الأمر قديماً واعتادوا عليه فهم يفحصون في الآيات والروايات قبل الإفتاء . ثم إنـنا نعلم عقلاً بوجوب أن نطيع اللهَ في أحكامه الواقعيّة الإلزاميّة ، فيجب أن نستعلم عنها أوّلاً ونحاولَ التعرّف عليها ، ولذلك لا يقبل واحدٌ من المتشرّعة إغماضَ العين عن كتاب وسائل الشيعة مثلاً والتهرّبَ من التعرّف على أحكام الله ، ثم إجراء البراءة في التكاليف المحتملة الإلزام !! وإنما يوجب العقلُ الإحتياطَ قبل الفحص ، أو قُلْ لا يجوّزُ العقلُ إجراءَ البراءةِ عن وجوب الإحتياط . هذا على صعيد حكم العقل والعقلاء والمتشرّعة . وإنما قلنا (على صعيد العقل والعقلاء) لأنّ الأمر في القوانين الموضوعية أيضاً كذلك تماماً ، فإذا نشرت الحكومةُ القوانينَ في الجريدة الرسميّة فقد صارت سارية المفعول ويحاسَب على أساسها المواطنون حتى ولو ادّعوا أنهم لا يعرفونها ، فللقاضي أن يحتجّ عليهم بأنّهم كان يمكن لهم مراجعةُ القوانين أو أهلِ الإختصاص في ذلك .
وأيضاً على صعيد الآيات الكريمة الأمْرُ كذلك ، فإنك تـفهم من قوله تعالى [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ][٣٦٩] أنه إذا بَعَث اللهُ رسولاً فله أنْ يُعَذّب على المخالفة ، ولذلك يجب أن نبحث حتى نعرف هل أنّ الله تعالى بعث في هذا الأمر الفلاني رسولاً وبـياناً أم لا . ومثلُها تماماً قولُه تعالى[وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُـبين لَهُم مَّا يَتَّقُون [٣٧٠] وقوله عَزّ مِن قائل [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتـفقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ][٣٧١] ، وقال اللهُ [ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ ، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنـتمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبـينَاتِ وَالزُّبُرِ ، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبين لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتـفكَّرُونَ (٤٤)][٣٧٢] حيث
[٣٦٩] الإسراء ـ ١٥ .
[٣٧٠] التوبة ـ ١١٥ .
[٣٧١] سورة التوبة .
[٣٧٢] سورة النحل .